موت الأبصناعه القرار فى الأزمنة الحرجة: المباراة السلوكيةتارا عماد تسترجع مرحلة الطفولة بصورة من دولاب الذكرياتغادة نافع وبوسى شلبى يحييان الذكرى الأولى لوفاة ماجدة الصباحىذكرى رحيل كريمة مختار.. شاهد أجمل صور الفنانة الراحلة فى مراحل عمرية مختلفةاليوم .. انطلاق تصوير مسلسل أمينة خليل وتايسون "خلى بالك من زيزى"لا شماتة فى الموت.. انتقادات لشقيق عمر خورشيد بعد تعليقه على وفاة صفوت الشريففيلم "وقفة رجالة" يتصدر الإيرادات بـ 500 ألف جنيه فى شباك التذاكرهل تخلت ساندي عن حساب الإنستجرام؟.. اعرف التفاصيلتعرف على أعداد المرشحين للحصول على جوائز الدولة عام 2021شوقي حجاب مبدع عرائس الأطفال وصانع البهجة يعانى من مرض السرطانالأكاديمية المصرية للفنون بروما تبدأ حلقات المبادرة الرئاسية "اتكلم عربى"صورة نادرة للأديب الراحل إحسان عبد القدوس مع زوجته "لولا" في أمريكا عام 1974تعرف على الفائزين بجائزة الدكتور زاهى حواس لعام 2020برديات سحرية وأيقونات نادرة.. جولة داخل المتحف القبطى بمصر القديمةده مطلوب.. عبد المحسن سلامة: ستكون هناك معارضة تحت قبة البرلمانخبير تكنولوجيا: إذا كان هدف الحصول على بيانات المستخدمين هو الإعلانات فهذا مقبولللتوعية النفسية.. مبادرة "أنا مش تمثال شمع" للحد من التنمر على السيدات بعد الولادة.. فيديونشرة أخبار التوك شو.. إلهام أبو الفتح أكثر الإعلاميات تأثيرا في الرأي العام.. والأرصاد تحذر من طقس اليوم وغدامن بينها التكيف.. مدربة علاقات توضح علامات النضج لدى الأشخاص.. فيديو

المنسى قنديل يستعيد حياة «طبيب أرياف»

-  

محمد المنسى قنديل أحد النجوم الوضاءة فى سماء الرواية فى مصر، فهو سليل كوكبة زاهرة من الأطباء الغاوين للأدب، على أنه لم يهجر الطب فحسب من أجل معشوقته القصة، بل كاد يهجر مصر فى الأعوام الأخيرة بالتردد على كندا والمقام فيها، مما لا تغفره له الحياة الثقافية عندنا، فحرمته حتى الآن من التتويج الأدبى، فظل يذكر فى سيرته أنه حصل على الجائزة التشجيعية منذ ثلاثة عقود، وهى بمثابة الشهادة الابتدائية فى مسيرته، لأنه يستحق التقديرية منذ زمن بعيد وقد شارف السبعين من عمره، وإن ظل صدى أعماله البديعة منذ رائعته «انكسار الروح» يتردد فى ذاكرة قرائه المفتونين به، حتى أصبحت رواياته على قلتها وكثافتها وتميز عوالمها علامات بارزة فى تاريخ السرد العربى كافة.. ويقرر فى روايته السادسة الأخيرة «طبيب أرياف» أن يستعيد بعنفوان شديد الحياة الطازجة للقرية المصرية كما رآها فى شبابه منذ أربعين عامًا على وجه التحديد. المدهش فى أسلوب هذه الرواية أنه بالغ السلاسة والعذوبة والتقليدية فى آنٍ واحد، فليس فيه أى مناورات فى الزمن، ولا يتضمن حوارية تعدد الأصوات، ولا يفاجئنا بأى حيلة تقنية جديدة، بل يحكى بتدفق ويسر يأسر قارئه ويثير شغفه ويجعله رهين متعته الجارفة. يقدم رؤية طبيب شاب يسارى- ومَن من المبدعين لم يكن يساريًا فى شبابه لو فهمنا اليسار باعتباره عدم الرضا عن الواقع والرغبة فى تغييره إلى الأفضل- رؤيته النمطية للقرية المصرية، لكنه يقيم منها جدارية شامخة حفرتها الأقدار على واجهة معبد فرعونى مترب، تجمدت عليه حركة الزمن وتوقف عنده نبض التاريخ، فإذا تأملناه عن كثب، ولمسنا نقوشه راعنا فى شخوصه تجسد الشهوة للحب والجنس، والرغبة الحارقة فى تطبيب آلام البشر، والتعاطف العميق مع مواجع الأمراض المستوطنة والفقر المذكر والمهمشين من الفلاحين والغجر، والرصد الملول لتغول السلطة الممثلة فى العمدة والشرطة، وتفاقم البيروقراطية فى بلادة الموظفين وجُبنهم أمام التهديد بالشكوى، حالات مصرية مزمنة تورثنا الذل والهوان. الرواية تعيد الزمن إلى عام ١٩٨٠ فى المرحلة المفصلية بين حكمى السادات ومبارك، لكنها تتجاهل تمامًا مأزق السلام وانكسار الروح الوطنية بعد انتعاشة النصر، لا تحفل من السياسة سوى بانتخابات مزورة- لعلها تقصد الاستفتاء على الرئيس الذى ولى عقب صاعقة المنصة- فهل حدث بالفعل هذا الاستفتاء أم أنه من هامش المتخيل؟

أما المكان فهو قرية صعيدية مهملة، تقع مدينتها على ترعة الإبراهيمية التى تمتد إلى عدة عواصم، فهى قرية أبدية لا تهب عليها عواصف التحولات، لا فى تركيبتها السكانية المشكلة من مسلمين وأقباط، ولا من تكوينها النوعى من رجال متسلطين على مرضهم وفقرهم ونساء مستكينات، ولا من عمدة غشوم وزوجة لعوب صغيرة تهرب من بطشه. ولأن المنسى من أبناء الدلتا مثلى، فهو يجتهد فى تمثل أخلاق الصعيد دون أن يعبأ بما حدث لها من تغيرات، لكن سرعان ما تظهر فى الرواية امرأة جميلة- وهل يمكن أن تخلو رواية شيقة من النور الناعم الذى ينبعث من عيون الجميلات وحضورهن؟!- ولكى تظل فى صحبة الطبيب الشاب الذى تخلت عنه خطيبته القاهرية عقب دخوله سجن القلعة قبل أن يتم العفو عنه ونفيه إلى الصعيد، فهى إحدى ممرضات الوحدة، يلمحها أولًا بالصدفة فيحسب أنها مجرد طيف أو حلم عابر، لكنه لا يلبث أن يراها «فى زيها الأبيض وشعرها المعقود خلف أذنها، قوامها الرهيف.. لم أكن أتوهم إذن، تتعلق عينى بها وهى تسير باتجاه الوحدة، فأجد دسوقى، (الحارس العتيد الذى كان رفيقًا للزعيم عبدالناصر فى حصار الفالوجا فاستنجد به لإنشاء الوحدة بقرار جمهورى وتعيينه حارسًا لها مدى الحياة)، أجده يحدق فى وجهى ويقول لى فجأة: إنها فرح، ألم ترها فى الوحدة أمس؟»، وكعادته فى اختيار الأسماء تظل هذه الأنثى هى الفرح الوحيد الذى ينعش قلب وجسد الطبيب الشاب، حتى تتحول بعد ذلك إلى مأساة موجعة تدفعه إلى طلب نقله من القرية. لكن ما بين هذين الوضعين يختارها المساعدة له فى حجرة الكشف، على الرغم من زميلتيها الأقدم منها، وتقوم بينهما بالطبع تلك العلاقة الغرامية الكلاسيكية بين الممرضة والطبيب، تشتعل ذروتها خلال عودتهما من زيارة زوجة العمدة ومرورهما بحقل القصب، ينتهز صاحبنا الفرصة ليغرق معها فى نشوة العناق الحار، ثم تدبر معه فرصة للخلوة الكاملة فى فندق المدينة المتواضع بتفاصيل طريفة وشيقة، حيث تقضى معه ليلة كاملة فى غفلة من القرية، كانت قد أخفت عنه أنها متزوجة لرغبتها فى الحمل، فإذا ما علم بذلك مزقته مشاعر القلق والشعور بالذنب. وتتوالى عليه الأحداث المرتبطة بالعلاقات الآثمة فى القرية التى تتلفع بالطهر والبراءة، تأتيه فى جنح الليل السيدة جليلة، وهى أرملة ثرية مطمورة تحت الملابس السوداء، تطلب منه التخلص من الحمل لأن زوجها مات منذ عامين وصديقها قبطى لا يمكن له الاقتران بها حتى لو أسلم، فأهل زوجها لن يسمحوا بهذا العار، يرفض الراوى عملية الإجهاض وينصحها بأن تلجأ للقابلة التى تقوم بهذه المهمة فى كل القرى، يفاجأ بأن «أبنوب» الترزى القبطى الأنيق الذى أهداه المعطف الطبى المطرز هو صديق السيدة جليلة، لكنه يراه فى أبشع صورة يمكن مشاهدتها فى القرية خلال زفة التجريس التى يصفها الراوى بدقة «أطفال حفاة يصيحون ويقذفونه بالحصى، ونساء محلولات الشعر، ورجال يحملون الفؤوس والهراوات ويلفون عليه الأحجار.. وسط دوائر البشر. ويظهر شخص وهو يركب حمارًا بالمقلوب، وجهه فى مواجهة ذيل الحمار، يحيطون به ويصرخون فيه ويضربونه وهو مشجوج الرأس»، وعندما يتبين الطبيب أنه أبنوب الترزى الأنيق يحاول أن ينقذه، فيمنعه دسوقى وتصيح فيه فرح بأن أحدًا لا ينبغى أن يتدخل فى عملية «التجريس». ويستخرج الراوى من بطن أحشاء القرية مشهدًا آخر مضادًا لذلك فى البداية، عندما تهل على حاراتها عربات مزركشة تصدح بالموسيقى ويحتشد فوقها ثلة من الغجر بطبولهم وصاجاتهم يغنون وينثرون المرح على القرية المتجهمة، تتقدمهم غجرية تلمع خدودها بالأصباغ، وقوامها بالرقص والغنج، يكتشف الراوى أنها «الجازية» ذات الموهبة الجبارة فى القيادة وحكى الملاحم المثيرة للفلاحين، تقص عليهم سيرة أبى زيد الهلالى ودياب وجدتها الجازية الحسناء، يتفنن الراوى طويلًا فى سرد أحداث هذه السهرات التى كانت- قبل التليفزيون- تعمر جنبات القرى بالبهجة والمرح، لكنه يقرر أن ينهيها بطريقة فاجعة، يجعل المأمور يأتى بجنوده ليبطش بالغجر والفلاحين المستمتعين بالقص، بحجة أن الغجر يروجون للدعارة والمخدرات والفساد، يقبضون على الجازية وبعض الجمهور، ويوشك الطبيب أن يتعرض بدوره للأذى لولا دسوقى الذى يصيح بالضابط «إنه دكتور الوحدة وكان يمر على الساحة بالصدفة». وتتجلى المفارقة فى هذه الحكاية عندما يعود المأمور للقرية ليلقى بالجازية أمام الوحدة الصحية بعد أن انتهكها الجنود فى الحبس فأشرفت على الموت، ويبدو وصف هذه القوة الغاشمة للشرطة مبالغًا فيه، فتصرفات الضابط الحمقاء لا تصدر من مأمور له خبرة بالحياة، بل هى أقرب إلى أن تكون لوثة ضابط شاب يتم تصويبها فى القسم، وبخاصة لأنه لا يلبث أن يلجأ هذا المأمور ذاته للاستعانة بالجازية بعد شفائها كى تعمل دليلًا لحملة بوليسية لإنقاذ مجموعة من أهالى القرية ضلوا فى الصحراء الموحشة وهم فى طريقهم للهجرة إلى بلد مجاور.. لا يذكر الراوى أن هذا البلد هو ليبيا التى كانت قبلة الفلاحين والموظفين الفقراء فى السبعينيات قبل أن تحل العراق محلها فى الثمانينيات، فهذا هو التاريخ السرى للفلاح المصرى فى هذه الحقب السوداء، ولم يتعرض له كبار الذين كتبوا عن القرية المصرية لأنهم كانوا قد تخلصوا منها.

ومع أننى أقدر حكمة الراوى وحقه فى التخيل التاريخى، فإن الصورة الكاريكاتيرية التى يقدمها لاستفتاء رئاسة مبارك الأولى مثيرة للدعابة، فقد جعل مركز الاقتراع فى الوحدة الصحية بدلًا من دوار العمدة- وهو مندوب السلطة- ثم قضى بألا يذهب أى شخص من القرية للإدلاء بصوته، وهذا مخالف لطبائع الناس، ثم جعل الطبيب يتبرع بإثبات بعض المعارضين ليضفى مصداقية على النتائج، فيرفض المأمور ذلك، وهذا ممكن، لكن أن يرفض القاضى، فهذا غير محتمل لأن المفروض حرصه على إسباغ المشروعية على النتيجة. وتصل أحداث الرواية لذروتها فى الحملة التى يقودها المأمور ويصحب فيها الطبيب والجازية لتعقب القافلة الضائعة فى الصحراء، ويتضح أن زعيمة الغجر هى الوحيدة التى تعرف هذه الدروب وتدرك قرب هبوب العاصفة المهلكة عليهم، فتذهب بهم إلى الكهف الذى ينقذهم. تحكى قصته للراوى الذى تثق فيه وتتحرش به قائلة: «جدنا الأكبر كان أول من قادنا إلى هذا المكان خلال هروبنا من المطاردة، مطاردة أولاد الليل، وهم مثل الشرطة قطاع طرق بالنسبة لنا. هذا المكان بناه الأقباط من الهاربين من جنود الرومان، كانوا يقبضون على من يعتنق المسيحية ويُلقونهم للأسود الجائعة».

المطاردة مازالت مستمرة حتى الآن وينتهى الأمر بالعثور على جثث قافلة الأهالى ممزقة ومنهوشة من الضباع، وكان من بينهم زوج فرح مساعدة الطبيب، انقلبت عليه عندما اكتشفت أنه هو الذى أقرض زوجها المال كى يدفع نفقات هذه الرحلة المشؤومة وتسبب فى مصرعه، هنا تبدى المرأة الصعيدية نوعًا من الوفاء العجيب، فهى خانته فقط كى تظفر بولد، لكنها تحفظ حق العشرة وقوام الأسرة، وعندما يتساءل المأمور أمام بشاعة منظر الجثث عن السبب الذى يجعل القرويين يعرضون أنفسهم لخوض هذه الأهوال، ترد عليه الجازية بصوت خفيض بأنه هربًا من قسوتهم، فيزعم أنه مجرد منفذ للقانون، فتقول له: تنفذه فقط على الضعفاء «أنتم لا تمسكون إلا بخناق المساكين».. بهذه الكلمات يختتم الكاتب إدانته للنظام السياسى والاجتماعى لمصر فى تلك الفترة، فالراوى يقدم رؤيته من منظور كلى شامل، ويبعث الحياة فى الريف كما عرفه منذ أربعة عقود، لا لكى يعالج أهله من أدواتهم فحسب- وقد اختلف الموقف الآن إلى حد كبير- ولكن ليحرك الوعى بضمير وطنى يقظ، وحس شعرى مرهف، وقدرة سردية فائقة على تمثيل نماذج الوقائع والأحداث الماضية بطزاجة مدهشة وتلقائية آسرة وسحر سردى فاتن ليضم إلى روائعه تلك الرواية الفذة الممتعة والمشبعة.

  • الوضع في مصر
  • اصابات
    117,156
  • تعافي
    103,082
  • وفيات
    6,713
  • الوضع حول العالم
  • اصابات
    65,528,133
  • تعافي
    45,371,073
  • وفيات
    1,511,726
لمطالعة الخبر على المصرى اليوم