بنفيكا ينقض على صدارة الدوري البرتغالي رغم التعادل مع تونديلاأشرف صبحي: وزارة الرياضة تدرس الوضع القانوني لكيفية إعادة تبرعات الأهليستاندرد آند بورز 500 يغلق منخفضا ويوقف سلسلة 4 أيام من الصعودتباين بورصات الخليج بجلسة ختام الأسبوع..والأسواق الإماراتية تربح 9.3 مليار درهممصدر: أوبك قد تجتمع في 6 أو 7 يونيو بعد تعهد غير الملتزمين بتحسين الامتثالأسعار النفط تستقر مع انتظار السوق وضوحا بشأن تخفيضات إنتاج أوبكمستشفى قنا العام للحجر الصحى يحتفل بتعافي وخروج أول حالة كورونا.. شاهد"سلامتك أولا".. هيئة قناة السويس تدشن خدمات الاستعلام عن فواتير المياه بمدن القناة الثلاث إلكترونيًاخروج 4 متعافين جدد بمستشفى قها للحجر الصحي.. وتزايد أعداد المتعافين لـ253تسجيل 5 إصابات جديدة بكورونا من المخالطين بدمياطلمدة 11 ساعة.. مياه أسوان تعلن عن قطع الخدمة عن 10 مناطق مساء الغدبعد تجديد الثقة.. ننشر السيرة الذاتية لسكرتير عام محافظة قناحركة المحليات.. رؤساء المراكز والمدن داخل محافظة أسوان ..تفاصيلاستقرار حالة 14 مصابا بكورونا بمستشفى قها وتحويلهم للمدن الجامعية6 منافذ متنقلة لبيع مستلزمات الوقاية لمواجهة "كورونا" بالغربيةنائب محافظ الغربية يتفقد أعمال رصف طريق طنطا المؤدى للمنطقة اللوجستية.. صورصحة الشرقية: دعم مستشفيات فاقوس وبلبيس والصالحية الجديدة بمستلزمات وقائيةمستشفى قنا العام يحتفل بتعافى أول حالة مصابة بفيروس كورونا.. صورمحافظة القاهرة: السيطرة على حريق في مستشفى دار الشفاء في شارع رمسيس"تعليم مطروح": تمديد فترة استلام أبحاث صفوف النقل بالتعليم الفني حتى يوم 11 من يونيو الجاري

«السيرة الحائرة».. أسرة «أبوالفتح» بين التخوين والتكريم (الحلقة 2)

-  
محمود أبوالفتح مع الملك فاروق

عن طريق صهره ثروت عكاشة، عضو حركة الضباط الأحرار، تعرّف أحمد أبوالفتح إلى جمال عبدالناصر، وكان صوته من الأصوات المسموعة لدى المجلس في الفترة الأولى، وكان دوره وسط مجموعة الشباب التقدمي الجديد في حزب الوفد وعلى اليسار من التيار الرئيسي فيه دورًا ظاهرًا، فكان حلقة الاتصال بين الضباط والوفد الذي كان حزب الأغلبية حتى ذلك الوقت.

عندما تنازل الملك فاروق عن العرش، ذهب الصحفي إحسان عبدالقدوس للقاء أحمد أبوالفتح في مقر جريدة المصري، ويقول الأخير عن ذلك اللقاء: «قال لي إحسان عبدالقدوس يومها: أرجو ألا تغرق في التفاؤل فإننا مقبلون على حكم عسكري ديكتاتوري»، وبعدها بأيام بدأت الشكوك تتراكم في نفس رئيس التحرير عندما تقرر تشكيل مجلس وصاية على عرش الملك أحمد فؤاد.

يقول «أبوالفتح»: «قانونيًا، كان يتعين على الأوصياء على العرش حلف اليمين أمام البرلمان، لكن البرلمان الأخير حلته وزارة نجيب الهلالي، فقرر مجلس الثورة إحالة الأمر إلى مجلس الدولة برئاسة عبدالرازق السنهوري لاستصدار فتوى دستورية، فقرر الأخير جمع المستشارين الإداريين دون القضائيين، وصدر قرار تشكيل مجلس الأوصياء دون انعقاد البرلمان».

في ذلك اليوم، يقول أحمد أبوالفتح إن الدكتور وحيد رأفت، أستاذ القانون بجامعة القاهرة، دعاه للقائه في منزله الكائن بالمعادي، ويضيف في كتابه «جمال عبدالناصر»: «قال لي بصوت تخللته رعشة: لقد مُزق الدستور اليوم، فالإجراء غير قانوني، إذ يحتم القانون دعوة جميع المستشارين الإداريين والقضائيين، وأبعد القضائيون لأنهم كانوا لا يستطيعون مخالفة القانون».

في موضع آخر، ينكر «أبوالفتح» على عبدالناصر «التوسع في جلب أدوات التسجيل للتجسس على الناس»، مشيرًا إلى «مؤامرة الصولات»: «قال لي عبدالناصر وهو يضحك: اكتشفنا أن أحد الصولات يعد انقلابًا (..) لقد اتصل ببعض الصولات وقال لهم: لماذا ينفرد الضباط بأمر البلاد، إننا نستطيع القيام بما قاموا به (..) ودخل بعض الضباط مسكنه وسجلوا اجتماعاته».

عام 1953، بلغت الخلافات بين عبدالناصر و«أبوالفتح» ذروتها، ويفسّرها محمد حسنين هيكل في كتابه «لمصر لا لعبدالناصر» بـ3 أسباب: أولها سياسي، وهو أن «معنى الديمقراطية لم يكن واحدًا عند الاثنين، فالأول يرى أن إقامة ديمقراطية سياسية سليمة تعبر عن رأي الأغلبية وسلطتها لا يتأتى إلا إذا كانت الحقائق الاجتماعية والاقتصادية تعطي لهذه الأغلبية وزنها وثقلها».

يقول «هيكل»: «كان عبدالناصر يرى أن إجراء أي انتخابات قبل إجراء تغييرات اجتماعية واقتصادية تعطي الأغلبية وزنها وثقلها لن يكون من شأنه إلا أن يعيد إلى السلطة نفس العناصر القديمة التي تمثل الطبقة المتميزة في مصر والتي تسيطر على الحقائق الاجتماعية والاقتصادية فيها، وهذا يصبح بمثابة العودة إلى ديكتاتورية الأقلية الطبقية تحت اسم الديمقراطية».

29 مارس 1954.. مظاهرات في شوارع القاهرة تهتف بـ«سقوط الديمقراطية»

وكان رأي أحمد أبوالفتح مختلفًا، وهو أن حل مشكلة الديمقراطية هو إجراء الانتخابات فورًا. السبب الثاني كان «نفسيًا»، ويقول «هيكل»: «مرجعه فيما أظن أنه بالغ، ربما بحسن نية، في أهميته بالنسبة لأصدقائه الجدد، وبالتالي كانت جماعته وأسرته تنتظر أن يحقق لهم جميعًا أشياء عجز عن تحقيقها، وہإحساسه بالحرج فقد تحول خلاف الرأي إلى عناد ثم إلى عداء».

«تسقط الديمقراطية»

آل «أبوالفتح» يعزون خلافهم مع الثورة إلى مطالبهم بإقامة الديمقراطية، ويقول أحمد في كتابه «جمال عبدالناصر»: «في 29 مارس 1954، انطلقت مظاهرات في شوارع القاهرة مرددة: يسقط الدستور.. تسقط الحرية.. تسقط الديمقراطية.. يسقط المتعلمون. وكان راديو القاهرة ينقل هذه الهتافات مع وصف تفاصيل اعتدائها على البرلمان ومجلس الدولة ومبنى الجريدة».

جريدة الأهرام 30 مارس 1954

يضيف «أبوالفتح»: «في ذلك اليوم قال شقيقي {محمود}: لقد حانت ساعة العمل يا أحمد، إن المسؤولية التي ألقاها الله على عاتقنا ضخمة، والرسالة التي وجب علينا العمل لها رسالة كبرى (..) لقد استطاع عبدالناصر اليوم أن يحطم كفاح الشعب لبلوغ حكم ديمقراطي سليم وتحقيق الحرية السياسية والشخصية، وأن يضرب ضربته فيمحق بها الآمال الزاهرة التي يتطلع لها كل مصري».

محمود أبوالفتح: «عبدالناصر حطّم كفاح الشعب المصري لبلوغ الديمقراطية»

ينقل «أحمد» عن شقيقه: «لقد حطم عبدالناصر كل ذلك، وأمام مصر أيام سود، وأمام الشعب مستقبل حافل بكل ما يحمله الحكم الدیكتاتوري من بطش وظلم وإرهاب وفساد سیاسي. واليوم يا أحمد ونحن نعيش خارج مصر وجب علينا أن نحمل أمانة الدفاع عن الشعب المصري، ودفع الظلم والبطش والتعذيب عنه، علينا أن نعمل ونملأ الدنيا بأصواتنا دفاعًا عن إخواننا».

«منذ ذلك اليوم انطلق شقيقي يعمل وأنا إلى جواره»، يقول «أبوالفتح»، مضيفًا: «وفي زمن وجيز تكونت (لجنة مصر الحرة) التي رفعت راية الكفاح في سبيل تخليص مصر من ربقة الديكتاتورية، وسرعان ما اتسعت هذه اللجنة حتى صار لها داخل مصر وخارجها جنود بواسل يرفعون راية الحق ويعملون إما في السر أو في العلانية لإقامة حكم ديمقراطي برلماني سليم».

«مصالح»

الدكتور عاصم الدسوقي، أستاذ التاريخ المعاصر بجامعة حلوان، يقول إن خلاف أسرة أبوالفتح ومجلس قيادة الثورة بدأ بعد قرار حل الأحزاب السياسية في 16 يناير 1953، معقبًا: «هنا بدأت ردود الأفعال في الظهور، فالذي كان مرتبطًا بحزب كان مرتبطًا أيضًا بمصير ومستقبل، لذا بدأ البعض يشعر بخطورة اتجاهات الثورة، وبدأت معركتهم للدفاع عن مصيرهم».

يضيف «الدسوقي»: «محمود أبوالفتح ترك مصر إلى بيروت ومنها إلى سويسرا، واختار الأخيرة لأنها كانت بلدًا محايدًا بموجب نظام الأمم المتحدة عام 1945، ولا يمكن اعتقال أحد فيها، ولا يمكن مصادرة أموال مودعة في أي من بنوكها، وبعد قرار حل الأحزاب وبعد انكشاف سياسات الثورة أمام العالم بدأت مساعي الغرب للقضاء على الثورة بإعادة الملك فاروق».

«هنا جاء دور محمود أبوالفتح»، يقول «الدسوقي»، مضيفًا: «المخابرات المصرية علمت بنشاطه بفضل اتصالاتها، ورأى جمال عبدالناصر أن يقطع الطريق على هذه المساعي فعجّل بإعلان الجمهورية في 18 يونيو 1953. ولقد اطلعت، خلال زيارتي إلى جامعة أكسفورد عام 1974، على وثائق في دار المحفوظات البريطانية حول محمود أبوالفتح ونشاطه».

محمود أبوالفتح مع الملك فاروق

يرجع «الدسوقي» خلاف الأسرة والثورة إلى «حرص الأولى على مصالحها وأموالها»، ويقول: «المصالح لها دور أساسي، ودائمًا يقال إن السياسة تتبع الاقتصاد، فعندما يكون نظامك اشتراكي تكون سياساتك معادية للرأسمالية. أسرة أبوالفتح تحاول تبرير حرصها على مصالحها، وهم أساسًا ينطلقون من كونهم أصحاب مال، وكانوا يعرفون أن الثورة ستأتي على أموالهم».

يقول «هيكل» إن السبب الثالث لخلاف أحمد أبوالفتح وعبدالناصر هو أن الأول «كان يشعر بوفاء شديد لأخيه محمود، ويعتبره ولي نعمته، وهذا تعبيره بالحرف، ولكن محمود أبوالفتح كان قد ترك الصحافة والجريدة لشقيقه أحمد وتفرغ هو تمامًا لدور رجل الأعمال، وأحس أحمد أن أخاه لا يأخذ ما يعتبره هو حقًا له، وأن فرصًا كثيرة ضاعت أو ضيعت عليه لأسباب لا يعرفها».

عاصم الدسوقي: «آل أبوالفتح كانوا يعرفون أن الثورة ستأتي على أموالهم»

في مهمة صحفية لتغطية الانقلاب على الرئيس السوري أديب الشيشكلي في فبراير 1954، التقى «هيكل» مع محمود أبوالفتح في فندق سان جورج في بيروت، ويقول عن ذلك اللقاء: «سألته عن شقيقه أحمد، وكان قد غادر القاهرة إلى جنيف، وقال لي الأستاذ محمود إنه يريد أن يجلس معي لحديث طويل عن العلاقات بين جمال عبدالناصر وشقيقه، واتفقنا على ترتيب مقابلة بينهما».

يقول «هيكل» إنه تعهد لـ«أبوالفتح» بضمان خروج شقيقه من القاهرة بعد المقابلة المرتقبة مع عبدالناصر مهما كانت نتائجها، ويضيف: «جاء أحمد أبوالفتح وذهبنا معًا إلى بيت جمال عبدالناصر، وجلسنا نحن الثلاثة لحديث طال 4 ساعات، وفي الواقع فقد كان الحديث بين الاثنين، وكنت أتابع ما يدور بينهما صامتًا (..) وكان الخلاف واضحًا بين الاثنين في الآراء وفي المواقف».

ارتفعت درجة حرارة الحديث مرتين، يقول «هيكل»، مرة عندما أثار عبدالناصر مسألة «الاتصالات التي يقوم بها محمود أبوالفتح في أوروبا وفي العالم العربي، خصوصًا مع نوري السعيد، رئيس وزراء العراق وقتها، وكان رد أحمد أن علاقات شقيقه ونوري السعيد هي علاقات رجل أعمال يورد مهمات لمشروعات في العراق، بجانب توريد السلاح كوكيل لبعض شركاته».

الصحفي اللبناني زهير عسيران، صديق أسرة «أبوالفتح»، ومراسل «المصري» في بيروت، تطرق في مذكراته إلى «مأساة محمود أبوالفتح بعد تجريده من الجنسية المصرية وتشريده»، ويقول إنه اتصل بوزير خارجية العراق آنذاك، فاضل الجمالي، وأبلغه بظروف صاحب «المصري»، فأبدت السلطات في بغداد تعاطفًا، وقررت حكومة نوري السعيد منحه الجنسية.

نوري السعيد، رئيس وزراء العراق - صورة أرشيفية

يضيف «عسيران»: «ظل محمود أبوالفتح عراقيًا حتى الانقلاب الذي قام به عبدالكريم قاسم {ثورة تموز 1958}، حيث قرر مجلس الوزراء في أول جلسة له سحب الجنسية العراقية منه»، واستطاع «عسيران» بفضل علاقاته الحصول على صورة من مرسوم حكومة نوري السعيد القاضي بمنح الجنسية لـ«أبوالفتح»، معقبًا: «هكذا، بقيت الجنسية سارية المفعول في سويسرا».

«كان رأي عبدالناصر أن الصلات والاتصالات {بين أبوالفتح ونوري السعيد} فيها عنصر سياسي»، يقول «هيكل»، «وارتفعت درجة حرارة الحديث مرة أخرى عندما تساءل أحمد: لماذا تضار مصالح أخي محمود في مصر؟ ولا يحصل على حقه؟ وسأله عبدالناصر: وهل حدث ذلك؟ فرد: نعم، إن أخي تقدم لمشروع أتوبيسات النقل في القاهرة ولكنه ذهب إلى عبداللطيف أبورجيلة».

«بنادق وآنية ذهب»

يقول «هيكل» في كتابه إن «أبوالفتح» قال لعبدالناصر: «تقدم أخي أيضًا وكيلًا عن شركة سلاح بعرض بندقية مقررة لحلف الأطلنطي، ومعنى هذا أنها ممتازة، ولكن اللجنة العسكرية المشرفة على مشتريات السلاح رفضتها. هنا بدت الدهشة على وجه عبدالناصر، وسأل: وهل تتصور أن لي علاقة بذلك أو أنني أتدخل في مثل هذه الشؤون، هذه مسائل تقررها الوزارات المسؤولة».

«جرى إيه يا أحمد، أتوبيسات إيه؟ وبنادق إيه؟»، هكذا رد جمال عبدالناصر بالحرف على حديث أحمد أبوالفتح وقد شاع الأسف في نبرة صوته، كما يقول «هيكل»، مضيفًا: «كان واضحًا أمامي أن الحديث سار إلى طريق مسدود، وفي الأسابيع التالية بدأت أسمع من عبدالناصر أكثر من مرة، وبأسف أكثر من غضب، عن النشاط المنسوب إلى محمود أبوالفتح في أوروبا وفي بغداد».

[quote:4]

في 27 أبريل 1954، علم «هيكل» بإحالة نشاط محمود أبوالفتح إلى محكمة الثورة، ونص قرار الإدعاء ضده على أنه «أتى أفعالًا ضد سلامة الوطن، ومن شأنها إفساد أداة الحكم، ففي غضون سنة 1954 وما قبلها: قام بدعايات واتصالات ضد نظام الحكم القائم بقصد تقويض النشاط القومي للبلاد، وأغری موظفًا عموميًا بطرق غير مشروعة لإتمام صفقة تجارية لمصلحته الذاتية».

المؤرخ الدكتور أحمد زكريا الشلق يقول في كتابه «ثورة يوليو والحياة الحزبية» إن قرارات مارس 1954 «هيأت الفرصة لقوى المعارضة لكي تكشف عن مواقفها بشكل سافر، وهيأت للثورة نافذة تطل منها على قوى المعارضة لتبدو سافرة، فشن أحمد أبوالفتح حملة قاسية على الضباط واتهمهم، والجيش عمومًا، اتهامات تتعلق بالتصرفات الشخصية والذمة المالية».

سفور قوى المعارضة القديمة، كما يسميه «الشلق»، أثار خوف الضباط من المستقبل، وأثار حفيظتهم ضد قرارات مارس وضد الديمقراطية بشكل عام، وبدأ عبدالناصر في «حشد الضباط وتحريك إضرابات عمال النقل الشهيرة، وانطلقت المظاهرات المعدة والمؤيدة للثورة تهتف بسقوط الأحزاب والديمقراطية، في إشارة إلى القوى السياسية، وألغيت قرارات مارس».

يقول أحمد أبوالفتح في كتابه: «عبدالناصر لم يتحمل الدفاع عن الديمقراطية وهو الذي قاد حركة الجيش واعدًا بإعادة الحرية والديمقراطية، واستغل المرتزقة يوم ۲۹ مارس ليهتفوا في الشوارع بسقوط الديمقراطية، وكانت تلك الهتافات أكبر عار شهدته شوارع مصر، إذ انتشر حثالة البشر الذين دفع لهم عبدالناصر ليهاجموا مجلس الدولة ثم يتوجهون لمهاجمة دار المصري».

يضيف: «ويوم صدور الحكم (محكمة الثورة) أرسل أخي محمود برقية يبدى فيها استعداده لتسديد الغرامة، والمثول أمام أية محكمة تتكون من رجال القضاء المصري، ولكن طبعًا لم تعر السلطات هذه البرقية أية أهمية، فقد كان غرضها الانتقام، ووقف صدور جريدة المصرى، ونهب وسلب ثروتنا (..) ووضعت السلطات يدها على كل حسابات محمود أبوالفتح وخزائنه في البنوك».

يرجع «أبوالفتح» غضب عبدالناصر ورفاقه من الأسرة إلى رغبتهم في الحصول على تأييد «المصري»، وهي التي باركت الثورة منذ يومها الأول. فهل كان ذلك التأييد السريع تعبيرًا حقيقيًا عن موقف الأسرة؟

يروي الدكتور سيد أبوالنجا، مدير عام جريدة «المصري» وقتها، كواليس ما جرى ليلة اندلاع الثورة ويمها الأول، ويقول في مذكراته إن «ثلة من الجنود أحاطت بمبنى الجريدة فور قيام الثورة، وجاءني إخطار بالموقف، وكان أصحاب الجريدة متغيبين».

ذهب «أبوالنجا» إلى الجريدة في السادسة صباحًا، فوجد في انتظاره أمرًا من جمال عبدالناصر يقضي بأن يصدر على الفور ملحقًا خاصًا من الجريدة عن قيام الثورة، كما يقول في مذكراته، معقبًا: «اتفقت مع مدير المطابع، وكان قريبًا لصاحب المصري، على أن يعد صفحات الرصاص، ثم يتركها تسيح، ويعد غيرها لتسيح أيضًا، ويستمر هكذا فيقنع الضباط بأننا ننفذ تعليماتهم».

يضيف «أبوالنجا» في مذكراته المعنونة «مذكرات عارية» عن مباركة الجريدة للثورة: «اتفقت مع عمال المطابع على بدء عملية الطبع فعليًا عند سماع كلمة السر في التليفون وهي (فورًا)، وبعد ساعات قليلة جاءني أن مرتضى المراغي، وزير الداخلية، سلم بكل طلبات رجال الثورة، فخرج العدد الخاص إلى الأسواق مبكرًا كأنما كان نصيرًا للثورة مهما كانت النتائج».

عندما عاد محمود أبوالفتح من أوروبا، زار أعضاء مجلس الثورة في ثكناتهم مهنئًا، ويقول «أبوالنجا»: «دعاهم إلى غداء في بيته، وكانت عنده آنية من الذهب الخالص اشتراها لضيافة الملك عبدالعزيز آل سعود الذي كان قد وعده بالزيارة حين يجيء لزيارة الملك فاروق. ولم تكتمل زيارة الملك، فقدم أبوالفتح الطعام لأعضاء مجلس الثورة في تلك الآنية، وكان أثرها عليهم سيئًا».

السيرة الحائرة لأسرة أبو الفتح

في كتابه «جمال عبدالناصر»، يقول أحمد أبوالفتح: «عندما عاد أخي محمود إلى القاهرة وتقابل مع عبدالناصر وعبدالحكيم عامر في دار المصري دعا ضباط مجلس القيادة على الغداء في مسكنه، وحضر الجميع، ولا شك أن هذه الدعوة كانت خطأ، إذ إن مسكن أخي كان به تحفًا من أجمل التحف، ولعل هذا ما جعلهم بعد المحاكمة يبادرون بالاستيلاء على المسكن وكل محتوياته».

تصريح بالخوف!

في مذكراته «أيام الوفد الأخيرة»، يقول النائب الوفدي إبراهيم طلعت: «في ليلة 4 أغسطس 1952، وفي منزل أحمد فؤاد، أحد الضباط الأحرار، اجتمعت على الغذاء مع كل من جمال عبدالناصر ويوسف صديق وخالد محيي الدين وعبدالحكيم عامر، ودار حديث حول نظام الحكم بعد نجاح الثورة، وجرى الاتفاق على ضرورة عودة الحياة الدستورية بما يحقق الديمقراطية».

نقل «طلعت»، كما يقول في مذكراته، تفاصيل ما جرى في ذلك الاجتماع إلى صديقه أحمد أبوالفتح في حضور عبدالناصر وعبدالحكيم عامر في حديقة جريدة المصري 10 أغسطس 1952، وفي اليوم التالي تقابل «أبوالفتح» مع «طلعت» في كافيتريا «البافيون» بمصر الجديدة، وصارحه بأنه خائف: «ما أعرفش.. إحساس عندي.. كل اللغوصة اللي بتحصل في البلد دي!».

في 12 أغسطس، انفردت «المصري» بنشر «نص مشروع قانون تحديد الملكية الزراعية الذي قدمه مجلس الثورة للوزارة لإصداره»، وفي اليوم نفسه فوجئ «طلعت» بـ«أبوالفتح» يصيح فيه: «رحنا في داهية يا إبراهيم!»؛ كان على ماهر، رئيس الحكومة، قد أخبر اللواء محمد نجيب بأن «المصري» نشر «خبرًا مكذوبًا في محاولة للوقيعة بين الحكومة ومجلس قيادة الثورة».

لم يكن «نجيب» على علم بتفاصيل ما دار بين عبدالناصر وعبدالحكيم عامر وإبراهيم طلعت وأحمد أبوالفتح في مقر «المصري»، ومن ثم صرح للصحفيين بأن ما نشرته جريدة المصري صباح 12 أغسطس «عار تمامًا عن الصحة وكاذب جملة وتفصيلًا، وأنه من خيال هذه الجريدة»، وطلب تكذيبًا رسميًا للخبر، وهنا «اهتزت الدنيا ولم تقعد»، كما يقول إبراهيم طلعت.

قرر «نجيب» أن تنشر جريدة الزمان تكذيبًا على لسانه بأن مجلس الثورة لا علاقة له بما نشرته «المصري» وأنه لا مشروع إطلاقًا لتحديد الملكية الزراعية، وفي مساء اليوم نفسه تقابل «أبوالفتح» و«طلعت» مع عبدالناصر، وتحدثوا عن الفضيحة التي تنتظرها «المصري»؛ إذ كانت «الزمان» قد انتهت من طبعتها الأولى التي تحمل مانشيت رئيسيًا لتكذيب «المصري».

غلاف كتاب أحمد أبوالفتح «جمال عبدالناصر»

«ارتسمت على وجه عبدالناصر ابتسامة هادئة ومطمئنة»، يقول «طلعت»، مضيفًا أنه أخبرهما بـ«سحب كل نسخ الطبعة الأولى لجريدة الزمان ومصادرة كل ما طبع منها على رأس قوة بقيادة الصاغ عبدالمنعم النجار، وإعادة طبعها من جديد بمانشيت رئيسي مختلف يحمل عنوان (ما نشرته جريدة المصري هو نص المشروع الذي قدمه مجلس قيادة الثورة للحكومة لإصداره)».

خرج «أبوالفتح» و«طلعت» من مكتب جمال عبدالناصر في مجلس قيادة الثورة «مذهولين»، ونظر النائب الوفدي لصديقه قائلًا: «أنا الآن يا أحمد أستطيع القول بأني أشاركك الخوف الذي انتابك يوم أمس، فما حدث بجريدة الزمان اليوم من المحتم أن يحدث لجريدة المصري غدًا»، وكانت آثار نشر خبر تحديد الملكية الزراعية «شبه كارثية، أدت لمظاهرات عنيفة».

خروج «أبوالفتح» الأخير

علم محمود أبوالفتح أن هناك أزمة داخل مجلس قيادة الثورة نفسه حول محمد نجيب ووزارة على ماهر، لأن عبدالناصر «كان يرى أن الأخير يريد الانفراد بالسلطة، وكان يرحب بإسناد الحكومة إلى الدكتور عبدالرزاق السنهوري، رئيس مجلس الدولة وقتها»، تلك الأزمة ألقت بظلالها على حركة الأعمال في مصر، فقرر صاحب «المصري» السفر إلى لبنان ومنها إلى سويسرا.

غادر محمود أبوالفتح القاهرة إلى بيروت في مايو 1953 تقريبًا، وهناك تقابل مع الصحفي اللبناني زهير عسيران، صديق الأسرة، ومراسل «المصري» في بيروت، الذي كان يستعد في ذلك الوقت للسفر إلى مصر؛ إذ عهد إليه عفيف الطيبي، نقيب الصحفيين اللبنانيين آنذاك، لإلقاء كلمة صحافة لبنان أمام مؤتمر نظمه مجلس القيادة للاحتفال بالعيد الأول للثورة في 23 يوليو 1953.

[quote:5]

يرجع زهير عسيران سبب انضمامه إلى أسرة «أبوالفتح» في معارضة «عبدالناصر» إلى «تراجع الحريات في مصر منذ عام 1953»، ويقول في مذكراته: «في الذكرى الأولى للثورة، لبت نقابات الصحف في سوريا ولبنان والعراق والأردن دعوة نقابة الصحفيين المصريين إلى مؤتمر يعقد في القاهرة، فعُهد إليّ برئاسة الوفد اللبناني بصفتي نائبًا لنقيب الصحفيين».

يضيف: «ترأس المؤتمر رئيس الجمهورية آنذاك، محمد نجيب. قبل افتتاح المؤتمر طُلب إلى رؤساء الوفود تقديم كلماتهم للاطلاع عليها مسبقًا، فعادت كلمتي من لدن الرقيب بعلامات استفهام كثيرة حول مقاطع تتعلق بالديمقراطية والحريات، مما سبب الاستغراب؛ فالثورة أطاحت الملكية وجاءت بحكم الشعب ووعدت بإطلاق الحريات وقالت: (ارفع رأسك يا أخي فأنت اليوم حر)».

يمضي قائلًا: «دعيت لإلقاء كلمة صحافة لبنان فألقيتها بنصها الأصلي متجاهلًا علامات الاستفهام والتعديل، وبوصولي إلى الكلام عن الحرية وحق الشعوب في أن تحكم نفسها بنفسها اشتعلت القاعة بالتصفيق، ولاحظت من عبدالناصر لفتة ذات مغزى نحو نجيب جعلتني أتساءل: ترى ماذا دهى الحرية؟ هل ينوي الضباط أن يستأخروها؟ وهل تخطو الثورة إلى المجهول؟».

«نهض محمد نجيب في نهاية المؤتمر فشكر الوفود الصحفية، ثم تحدّث عن الحرية، وأن لمصر تاريخ طويل معها ومع الاستعمار، قال ذلك بنبرة قوية شجاعة»، يقول «عسيران»، مضيفًا: «قلت في نفسي إما أن الرئيس أراد أن يزايد على كلمتي ليفهم الحاضرين أن الحرية بخير، أو أن الرقيب يتبع سلطة خارجة عن إرادة الرئيس، وتبين لي فيما بعد أن استنتاجي كان في محله».

محمد نجيب - صورة أرشيفية

يشير «عسيران» في مذكراته إلى دور جريدة المصري وأسرة «أبوالفتح» في «مساندة الثورة»، فيقول: «من مطابعها كانت تخرج بياناتهم، وفيها يحتفظون بسلاحهم الخفيف، وفي حضور أحمد أبوالفتح ومشاركته عقدت جميع مراحل التخطيط لإحدى أعظم الثورات وأخطرها في التاريخ»، فضلًا عن «التستر على عبدالناصر ورفاقه في إحدى مداهمات البوليس السري».

يضيف: «ولكن بعد نجاح الانقلاب وخروج عبدالناصر إلى العلن رئيسًا للوزراء، ومحمد نجيب في رئاسة الجمهورية، وقع الخلاف حول عودة الحياة البرلمانية والحريات التي وعد بها قادة الثورة، فتصدت لهم جريدة المصري بسلسلة مقالات بعنوان (حكم الشعب)، استوجبت عقد اجتماع بين عبدالناصر وأحمد أبوالفتح في منزل صهره ثروت عكاشة انتهى إلى خلاف في الرأي».

يختتم «عسيران» شهادته قائلًا: «أصر رئيس تحرير المصري على رأيه بوجوب عودة الحياة البرلمانية فورًا إلى مصر، وبعد هذا الاجتماع الذي كان حارًا عاصفًا، استمرت المصري في موقفها المطالب بأن يعود الحكم إلى الشعب، فصدر قرار بإسكات صوتها ثم مصادرة مطابعها التي كانت تستعد للانتقال إلى عاصمة أخرى تمارس فيها حريتها ودفاعها عن حرية مصر».

في كتابه المعنون «عمالقة الصحافة»، يقول حافظ محمود، السكرتير العام الأول لنقابة الصحفيين، إن محمود أبوالفتح اتفق معه في مارس 1953 على خطة صحفية للعهد الجديد {الثورة}، ويضيف: «بعد مقابلته مع رئيس مجلس قيادة الثورة، قال لي محمود أبوالفتح: ماذا أخذنا، أنا وأنت، من النظام الملكي، لقد خاصمونا وخاصمناهم، وهي خصومة تربط بيننا وبين العهد الجديد».

يمضي «محمود» قائلًا: «يومئذ اتفق معي محمود أبوالفتح على خطة صحفية جديدة للعهد الجديد، وطلب إليّ ألا أذيع سر هذه الخطة إلا بعد أن يعود من رحلة سريعة إلى الخارج يدبر فيها ما تحتاجه مشاريعنا الصحفية الجديدة (..) ثم انقلبت الدنيا، وحوكم أبوالفتح وأخوه وهو غائب، ولا شك أن الحكم عليه قد جعله في موقف مغاير لما قال لي، وإن كان حبه وحنينه لبلده لم يتغير».

الصحفي الراحل حافظ محمود

جمال حماد.. عين على «أبوالفتح»

قبل صدور أحكام الثورة بحق محمود وحسين أبوالفتح، كان جمال عبدالناصر يتلقى معلومات حول نشاط الأسرة في الخارج، وبعد المحاكمة توالت تقارير سرية من بيروت وبغداد ترصد تحركاتهم واتصالاتهم، وتشير شهادة ووثيقة إلى أن جمال حماد، الملحق العسكري في دمشق آنذاك، والأمير عبدالإله، الوصي على عرش العراق حتى عام 1958، كانا مصدر تلك التقارير.

في لقائه مع برنامج «شاهد على العصر» المعروض على قناة «الجزيرة» عام 2008، شن المؤرخ العسكري جمال حماد، وهو أحد الضباط الأحرار، هجومًا ضاريًا على ثورة يوليو وقيادتها، بصورة يقول الكاتب الصحفي عبدالله السناوي إنها «تجاوزت النقد والحق فيه لتجربة سياسية وإنسانية إلى نزع أية قيمة سياسية أو أخلاقية عن الثورة وقيادتها، ونفي أية إيجابية عنها».

بعد عامين من سلسلة حواراته مع «شاهد على العصر»، أصدر «حماد» كتابه «أسرار ثورة 23 يوليو» عام 2010، وانتقد فيه «انحراف مجلس قيادة الثورة عن الديمقراطية»، بينما أشاد بدور أسرة «أبوالفتح» وجريدة المصري في الفترة السابقة لأزمة مارس 1954، قائلًا: «حفلت صفحات المصري خلال تلك الفترة بمقالات الكتاب والسياسيين الأحرار الداعية للديمقراطية».

يقول «حماد» في كتابه: «نشرت المصري مقالًا للقانوني الضليع الدكتور وحيد رأفت بتاريخ 8 مارس 1954، لكن صلاح سالم عاد ليهدد في مؤتمر شعبي يوم 13 مارس بأن ثورة الجيش القادمة ستكون حمراء، قائلًا: ولا يظن ظان أنه لا قدر الله لو عاد الفساد مرة أخرى أن الجيش سيحمي الطغيان، ستكون ثورة من نوع جديد، لن تكون ثورة بيضاء بل ستكون ثورة حمراء».

[quote:6]

الكاتب الصحفي عبدالله السناوي رد على «شهادة حمّاد على العصر» بوثيقة «بخط يده شخصيًا»، نشرتها صحيفة «العربي» المصرية منتصف فبراير 2009، وهي عبارة عن رسالة من «حمّاد» إلى جمال عبدالناصر بتاريخ 24 سبتمبر 1962، يقول فيها إن التقارير السرية التي كان يرسلها أثناء ابتعاثه ملحقًا عسكريًا في دمشق هي التي أوصلت «أبوالفتح» إلى محكمة الثورة.

يقول «السناوي»: «الوثيقة تؤكد أن صاحبها كاتب تقارير محترف، يعترف بخط يده أن من يحيكون المؤامرات ضده أدرى الناس بمدى خبرته في تلك الأمور. في تلك الوثيقة اعتراف صريح بأنه هو الذي أوشى بأصحاب جريدة المصري، وأن تقاريره أدت إلى إغلاق الجريدة، وأن المعلومات التي حصل عليها من بيروت أوائل الخمسينيات كانت المستند الرئيسى في محاكمتهم».

يضيف «السناوي»: «يلاحظ أن تلك التقارير كتبت قبل الصدام بين الثورة وأسرة أبوالفتح، ويبدو أنها اصطنعت فجوة خطيرة أدت تاليًا إلى اندفاع الأسرة في الصدام إلى حدود خطيرة من التعاون مع الاستخبارات الفرنسية والبريطانية أثناء العدوان الثلاثي على مصر، وهذه خطيئة لا تغتفر نالت على نحو يصعب ترميمه من دور الصحيفة الذي لعبته عند مقدمات الثورة».

المصري اليوم تحاور اللواء جمال حماد - صورة أرشيفية

تنقل الوثيقة عن «حماد» قوله: «لقد هال فئة السياسيين الرجعيين اتصالاتي الوثيقة بضباط الجيش السوري الأحرار (..) وأزعجتهم جهودي المثمرة في تعزيز العلاقات المصرية السورية (..) وهالهم إخلاصي في عملي ونشاطي الدائب وولائي للثورة وزعيمها (..) لقد اعتبرت هذه الفئة الرجعية نشاطي خطرًا يقلق مضاجعهم (..) فعقدوا العزم على ضرورة التخلص مني».

تضيف الوثيقة: «شارك في ذلك الهدف فئة من المصريين يملأ قلوبهم حقد هائل ضدي وهم آل أبوالفتح ومن يلوذ بهم من أذناب، فلقد أثرتَ نقمتهم حين كشفت نشاطهم المعادي للثورة في لبنان حين كانوا لا يزالون يدبرونه في طي الخفاء، وتسبب تقريري عنهم إلى المخابرات في إغلاق جريدتهم وتقديمهم إلى محكمة الثورة فمضوا مع حلفائهم يدبرون لي الدسائس والمؤامرات».

في موضع آخر من الوثيقة، يقول «حماد»: «وفوجئت مرة بدخول زمرة من الصحفيين السوريين واللبنانيين إلى مكتبي من أعوان أبوالفتح، وأبلغني أحدهم وهو زهير عسيران أن معهم نص التقرير الذي أرسلته للمخابرات عن نشاط محمود وأحمد أبوالفتح في بيروت، وورد في التقرير تعرض لشخصيات سياسية لبنانية وذكر لمقابلتهم مع آل أبوالفتح، التي كانت تحت رقابتي».

يضيف: «هددني زهير عسيران ومن معه بنشر تقرير في الصحف وفضح تحرياتي السرية إلا إذا استجبت لطلبهم وهو الاتصال بحكومتي والحيلولة دون محاكمة آل أبوالفتح، فرفضت، وطلبت منهم أن يفعلوا ما يريدون، وفعلًا نشر التقرير في بعض الصحف الموالية لهم عقب حكم محكمة الثورة على أبوالفتح، مع حملة شعواء بضرورة طردي من لبنان لقيامي بالتجسس فيها».

تمضي الوثيقة: «لم ينس آل أبوالفتح حقدهم عليّ حتى بعد أن تركت منصبي في دمشق (..) ظلوا يتابعون حملة التشهير ضدي بصفة شخصية من محطة إذاعة بغداد التي كانت تربطهم بها وقتئذ أوثق الصلات، لأن غرضهم لم يكن إبعادي عن دمشق فحسب، بل هو الانتقام مني (..) وحتى لا أفضح أساليبهم وأكشف وسائلهم ذات يوم، وهم أدرى الناس بمدى خبرتي في تلك الأمور».

يواصل «حمّاد» قائلًا، بحسب الوثيقة: «إن ما أوردته في مذكرتي هذه هو بعض ما واجهته من مؤامرات دنيئة من هذه الفئة الغادرة بسبب إخلاصي في عملي وتأدية واجبي بتجرد وإيمان، غير عابئ بما يثيره ذلك من تآلب الأعداء وخطرهم عليّ، وإنني إذ أرفع إلى سيادتكم هذه المذكرة لا أستهدف من ورائها منصبًا، ولا أبتغي مطلبًا، فإنني قانع بفضل رضائكم بوضعي الحالي».

يختتم: «كل ما أبتغيه هو أن أزيل من نفس قائدي وزعيمي الذي أفتديه بحياتي أي شائبة قد تكون عالقة في نفسه من ناحيتي نتيجة لهذه الحملات التشهيرية، ولا ألتمس من سيادتكم سوى (..) أن تسبغوا عليّ شرف لقائكم لكي (..) أشعر حقًا أنني موضع ثقتكم وتقديركم (..) سأظل كما عهدتموني دائمًا الجندي المخلص للثورة وزعيمها إلى آخر رمق في الحياة (..) والله ينصركم».

في برنامجه «مع هيكل» المعروض على قناة «الجزيرة» عام 2007، ألمح محمد حسنين هيكل إلى تضارب موقف اللواء جمال حماد من أسرة أبوالفتح قائلًا: «الملحق العسكري القديم بقى مؤرخ عسكري مرموق، وإذا به يكتب وينقد معلوماته. بيقول في تقريره لعبدالناصر إنه والله ده أنا تقاريري هي اللي أدت إلى إدانة هؤلاء الخونة (..) وإذا به بيكتب إن دي كانت قضية رأي».

الأمير عبدالإله.. عين أخرى

يقول «هيكل» في حلقة برنامجه «مع هيكل» التي تطرق فيها إلى «أحداث إغلاق جريدة المصري» إن الأمير عبدالإله، الوصي على عرش العراق خلال فترة الخمسينيات، كان «أهم مصدر للأخبار» يعتمد عليه جمال عبدالناصر عن نشاط «أبوالفتح» في العراق، وذلك بعد «ذوبان الجليد بينه وبين عبدالناصر، وبعد أن دفأت العلاقات بأكثر مما هو متوقع بين الاثنين».

الأمير عبدالإله الوصي على عرش العراق - ضورة أرشيفية

يضيف «هيكل»: «الأمير عبدالإله قال لعبدالناصر: نوري باشا يشطّ أحيانًا، وأنا أعدك ألا يستخدم العراق في عمل ضدكم، وإذا كان هناك عمل ضدكم سأبلغكم، وبدأت تجيء أخبار ملفتة للنظر، نوري باشا بدأ يستعمل محمود أبوالفتح، أو هو بيستعمل نوري باشا، بدأت تبقى في حاجات لفتت نظر عبدالناصر فقال لأحمد أبوالفتح: خلي بالك من نشاط أخوك مع نوري باشا».

يمضي قائلًا: «طبعًا محدش كان عارف في هذا الوقت أنه أهم مصدر للأخبار في هذه الفترة كان بنفسه الوصي على عرش العراق، أنا أقولها إنصافًا للرجل وتوضيحًا لزاوية في التاريخ، والمسائل مشيت، لكن بدأت الأخبار تيجي بعد كده أنه الأستاذ محمود أبوالفتح بدأ بعد الأزمة اللي دخل فيها أحمد أبوالفتح وبعد أن فشل اللقاء اللي كان موجود في القاهرة بدأ بالكامل يتعاون معه».

يقول «هيكل»: «محمود أبوالفتح بدأ يتعاون مع الإنجليز، كتب جواب لرئيس الوزراء البريطاني، عرض فيه أن يتعاون بكل الوسائل مع الحكومة البريطانية في مواجهتها للنظام اللي موجود في مصر واللي بيعمل المشاكل دي كلها معها، وبدأ يقول إنه عنده حلف وقوة موجودة في مصر، تحالف فيه مصطفى النحاس، وأنا أظن أنه هذا غير صحيح، بل أنا واثق أنه غير صحيح».

يضيف: «بدأ محمود أبوالفتح يقول عنده ضباط بيعملوا نشاط وعنده تنظيم سياسي وتنظيم عسكري في الجيش وعنده في البلد كذا وعنده وعنده، وكنا هنا بنتجه إلى قرب {حرب} السويس. أنا هأقفز بالحوادث إلى الأمام قليلًا، لكن محمود أبوالفتح بدأ في هذه الفترة داخل وزارة الخارجية وهذا واضح في الوثائق، وبعدين بعث لآيزنهاور على الطغمة العسكرية الفاسدة في مصر».

سقطة زغلول عبدالرحمن

بعد الانفصال عن سوريا، وأمام مؤتمر شتورا في لبنان أغسطس 1962، تفجّرت مفاجأة على لسان المقدّم زغلول عبدالرحمن، الملحق العسكري المصري في بيروت، إذ أعلن بإيعاز من خاله أحمد أبوالفتح، وبالترتيب مع الملك سعود بن عبدالعزيز، تأييد الانفصاليين في سوريا أمام المؤتمر، ليقوم سفير السعودية بعد ذلك بتهريبه عبر سيارته إلى سوريا ومنها إلى أوروبا.

يقول الكاتب الصحفي عبدالله السناوي: «بدت تلك سقطة كبرى في حياة زغلول عبدالرحمن، ندم عليها فيما بعد طويلًا وكثيرًا عندما استشعر في أوروبا أن الأطراف التي التقته ربما تكون إسرائيلية، أو أن الشخصيات البريطانية التي التقاها عن طريق أقاربه في عائلة أبوالفتح مهتمة بالسؤال عن الصواريخ المصرية، فعاد بمحض اختياره إلى مصر وتقبل مصيره فيها».

فور عودته إلى مصر، قدم «عبدالرحمن» إلى محاكمة عسكرية، وقال في التحقيقات إن «أحمد أبوالفتح أغراه بالهروب من وظيفته وتسليم جميع أوراقه بصفته مستشارًا في سفارة مصر في بيروت إلى الحكومة السعودية، وأنه علم أن أحمد أبوالفتح قبض 250 ألف جنيه إسترليني من الملك سعود لتنفيذ هذه الخطة، وأن أسرة أبوالفتح أغرته بالعمل مع الاستخبارات البريطانية».

الكاتب الصحفي عبدالرحمن فهمي، ابن خالة زغلول عبدالرحمن، يقول: «الانفصال كان طعنة في قلب زغلول أكثر من عبدالناصر نفسه، وهاجم في مؤتمر شتورا تصرفات عبدالناصر الذي يفضل صداقته وحبه لعبدالحكيم عامر على البلد والمصلحة العامة، وهاجر زغلول إلى أخواله في جنيف بعد أن سلّم أموالًا لا حصر لها كانت تحت يده لمندوب لبنان في جامعة الدول العربية».

يضيف: «بعد الهجرة بسنوات حن زغلول لبلده الذي يعشقه وعاد من تلقاء نفسه وسلم نفسه في المطار وجرت محاكمته وحكم عليه بالإعدام رميًا بالرصاص. أرسلوا الحكم إلى عبدالناصر فسالت دموعه على وجهه (..) مزق الحكم بدلًا من أن يوقعه، وأرسل له ليراه وتقابلا في حديقة المنزل بالعناق والقبلات وظلا معًا بقية اليوم في منزل عبدالناصر مع بعض الأصدقاء».

قضية رأي

في كتابه «بين السياسة والصحافة»، ذكر «هيكل» اسم أحمد أبوالفتح مرتين: الأولى في معرض بيانه لخطاب مصطفى أمين إلى الرئيس جمال عبدالناصر، بعد إلقاء القبض عليه بتهمة «التخابر لصالح الولايات المتحدة الأمريكية» 21 يوليو 1965، وجاء فيه: «أنا {مصطفى أمين} الذي أخبرت سيادتكم بنبأ المؤامرة التي يقوم بها الملك سعود مع أحمد أبوالفتح وسعيد رمضان».

المرة الثانية جاءت في خطاب على أمين إلى «هيكل» بتاريخ 30 مارس 1966، بعد الحكم على شقيقه مصطفى أمين في قضية التخابر، وجاء فيه: «أحب أن أطمئنك أنني لم أتغير وأنني لا زلت على أمين الذي تعرفه وتحبه وتحترمه. لم أتحول إلى أحمد أبوالفتح، ولن أتحول في يوم من الأيام، فإنني أريد أن أفخر بأنني أعطيت بلادي كل شيء، وأنصفتها بعد أن ظلمتني..».

نص الخطاب المرسل من علي أمين إلى محمد حسنين هيكل مارس 1966

عام 1989، أقام أحمد أبوالفتح 3 دعاوى قضائية ضد «هيكل» وجريدة «الأهرام» ورئيس تحريرها آنذاك، الكاتب الصحفي الراحل إبراهيم نافع، للمطالبة بإلزامهم بدفع 30 مليون جنيه تعويضًا عما نشرته الجريدة من مقتطفات كتاب «سنوات الغليان» لـ«هيكل» في فترة رئاسة تحرير «نافع»، بدعوى «التعرض بالسب والقذف» لشخص شقيقه الراحل محمود أبوالفتح.

قبل ذلك، شن «أبوالفتح» هجومًا عنيفًا على «هيكل» عبر صفحات جريدة الوفد، «خرج فيه على حدود اللياقة والأدب وكل شيء»، كما يقول عبدالرحمن فهمي، ابن شقيقته. ولم يتردد «هيكل» في اختصامه استنادًا إلى «ما ورد في مقالاته من سب وقذف»، ودارت معركة قضائية بين الطرفين، وصفتها «الأهرام» بأنها «واحدة من أهم قضايا الرأي في مصر الحديثة».

لمطالعة الخبر على المصرى اليوم