الرئيس السيسي يستقبل عقيلة وحفتر بقصر الاتحاديةالإنتاج الحربى يرفض إجراء تغييرات واسعة فى الفريق بحثاً عن الاستقرارزى النهاردة.. إلغاء مباراة الأهلى والإسماعيلى بعد اشتباكات اللاعبين والجماهيرالزمالك يدرس الحصول على توقيع "بابل" إلكترونيًا بسبب العروضالإنتاج الحربى يتمسك بنجل سعد الصغير ويرفض رحيله بالميركاتو الصيفىاللجنة المؤقتة تعين مستشارا قانونيا لاتحاد الطائرة"الفشل فى إدارة المباريات" سر قرار الإسماعيلى بالاستغناء عن جوميزشاهد.. بلاتر يداعب تريزيجيه خلال تواجده مع الأهلي بكأس العالم للأنديةالمقاولون عن مقترح إلغاء الموسم الجديد: ضرر على المنتخبات قبل الأنديةاستقرار أسعار العملات اليوم السبت 6-6-2020 أمام الجنيه المصرىانفوجراف.. الحكومة تُخصص 447.3مليار جنيه لـ691 مشروع أخضر بخطة 20-21المقاولون العرب تستكمل أعمالها بدولة أوغندا وتجاوز محنة كورونابروتوكول بين "التنمية الصناعية" و"شئون البيئة" لتيسير منح التراخيصشعبة الخضروات: زيادة المعروض من أصناف الفاكهة وانخفاض الأسعارسعر الريال السعودى اليوم السبت 6-6-2020 أمام الجنيه المصرىالبنك الأهلى: 122 مليار جنيه حصيلة شهادة الـ15% منذ طرحهامحافظ الدقهلية : 464 إجمالي حالات إزالة التعديات على أراضي الدولةرئيس مدينة الطود السابق يشكر الأهالى على دعمه ويعلن عودته لموقعة نائبا للمدينةصحة الغربية تنفي إصابة أحد العاملين بديوان المحافظة بفيروس كوروناحظر السوق الأسبوعي بطبهار وعبود بالفيوم

«السيرة الحائرة».. أسرة «أبو الفتح» بين التخوين والتكريم (الحلقة 1)

-  
محمود أبو الفتح - صورة أرشيفية

في أجواء شديدة التوتر، وقف عبداللطيف البغدادي في الوسط رئيسًا لمحكمة الثورة، وعن يمينه محمد أنور السادات، وعن يساره حسن إبراهيم، وأمامهم الدكتور وحيد رأفت، محامي أسرة أبوالفتح، يقدم مرافعته، حتى صدر الحكم أخيرًا بإدانة محمود أبوالفتح، مؤسس جريدة «المصري»، وأخيه حسين بـ«الاتصال بجهات أجنبية في محاولة لتقويض نظام الحكم».

لم يكن محمود أبوالفتح مؤسس جريدة «المصري» وحسب، فإليه ينسب الدور الأكبر في تأسيس نقابة الصحفيين عام 1941، وتكريمًا لهذا الدور جرى انتخابه كأول نقيب للمهنة. وفي صباح 4 مايو 1954 اجتمعت المحكمة وأصدرت حكمها بمعاقبته غيابيًا بالسجن 10 سنوات، وتغريمه 356 ألف جنيه، ومعاقبة شقيقه حسين بالسجن 15 سنة مع إيقاف التنفيذ.

لمع نجم محمود أبوالفتح صحفيًا وسياسيًا إبّان ثورة 1919، إذ سافر على نفقته الخاصة مع الوفد المصري بزعامة سعد زغلول لحضور مؤتمر الصلح العالمي في باريس، وألّف كتابي «مع الوفد المصري» و«القضية المصرية والوفد المصري»، وانتخب في البرلمان عام 1939، وظل انتخابه يتجدد في مجلس الشيوخ حتى حلّ الملك فاروق البرلمان عام 1952.

تمتع محمود أبوالفتح بعلاقات جيدة مع ملوك وزعماء عربيين، ويقول الكاتب الصحفي عبدالرحمن فهمي، ابن شقيقته، إنه «كان يتكفّل بجميع نفقات الزعيم التونسي الحبيب بورقيبة كلما جاء إلى مصر، إذ كان يعوّل عليه لإنهاء الاستعمار الفرنسي لبلاده»، وهو ما جعل بورقيبة يأمر بنقل جثمانه على متن طائرة خاصة من سويسرا إلى تونس حيث مرقده الأخير عام 1958.

في بورسعيد، وبمناسبة عيد النصر 23 ديسمبر 1961، ألقى الرئيس الراحل جمال عبدالناصر خطابًا للمصريين، تطرق فيه إلى نشاط «أبوالفتح»، قائلًا: «مؤامرات ضدنا في الإذاعة، بعض الخونة المصريين اللي مشيوا بره واللي كانوا بيشتغلوا وبيستغلوا أيام الوفد بيطلعوا يتآمروا وبيروحوا يقدموا خدماتهم لفرنسا ولإسرائيل، كام واحد: أحمد أبوالفتح، حسين أبوالفتح..».

حديث «عبدالناصر» عن أسرة «أبوالفتح» جاء بعد 3 سنوات من وفاة محمود أبوالفتح في برلين، 15 أغسطس 1958. لم يذكر «ناصر» اسم صاحب «المصري» في خطابه «احترامًا لوفاته»، كما يقول الدكتور عاصم الدسوقي، أستاذ التاريخ المعاصر بجامعة حلوان، لكنه رفض دفن جثمانه في مصر، بعد سنوات من قرار مجلس القيادة بتجريده من الجنسية.

هكذا، دانت ثورة 1952 أسرة «أبوالفتح» بـ«الخيانة»، بينما رأت الأسرة، وعلى رأسها محمود وشقيقه أحمد، أن «الثورة حادت عن جادة الصواب، ولم تف بالتزامها في تحقيق الديمقراطية»، فراحت تشن حملات ممنهجة بالتعاون مع جهات أجنبية لتطويق نظام الحكم وإسقاطه بدعوى «إنهاء ديكتاتورية الضباط وإعادتهم إلى ثكناتهم وتحقيق الحرية للمصريين».

بعد صدور أحكام الثورة بحق «أبوالفتح»، قرر مجلس القيادة مصادرة جميع ممتلكات الأسرة؛ فأغلق مقر «المصري» في شارع قصر العيني، وصادر مطابعها في بولاق، ومنزل محمود في الزمالك. ويقول أحمد أبوالفتح، أصغر أفراد الأسرة، وصديق عبدالناصر القديم، ورئيس تحرير «المصري»، إنهم «أول أسرة مصرية صميمة تصادر حركة الجيش أملاكها».

الصدام بين الأسرة والثورة بلغ ذروته خلال أزمة مارس 1954، عندما انقسم مجلس القيادة بين جبهتي محمد نجيب وعبدالناصر؛ فالأول كان ينادي بإجراء انتخابات وتسليم السلطة إلى مدنيين، بينما كان للثاني رأي آخر. حينها وقفت الأسرة بجانب «نجيب» متسلحة بقوة جريدة «المصري» الضاربة وانتشارها الكاسح، وكانت من أشد المطالبين بـ«الانتخابات والديمقراطية».

كانت أزمة مارس 1954 نقطة فاصلة في تاريخ السياسة المصرية، إذ شهدت العديد من «الإجراءات اللازمة لحسم موقف الثورة من القوى الحزبية والسياسية القديمة»، وعلى رأسها حزب الوفد صاحب الأغلبية، فهيأت قرارات الديمقراطية في 5 و25 مارس الفرصة لقوى المعارضة لإظهار عدائها للثورة، وهيأت للضباط نافذة تطل منها على «سفور المعارضة».

فماذا فعل محمود أبوالفتح وأخواه لينالوا كل هذا الغضب؟ هل لأنه عارض جمال عبدالناصر ومجلس قيادة الثورة؟ هل كان نصيرًا للديمقراطية ونبراسًا للحرية مهما كلفه ذلك من تضحيات؟ أم كان يخشى، وهو أحد أبرز رجال الأعمال الرواد في تلك الفترة، من أولئك الضباط على أعماله وشركاته داخل مصر؟ وهل اقتصر الأمر على دوره في إذاعة «مصر الحرة»؟

«حاول تجنيدي ضد الثورة»

خالد محيي الدين، عضو مجلس الثورة، كان من أشد الداعمين لـ«نجيب»، وعندما رأى أن «الثورة تبتعد عن أحد مبادئها» بعد أزمة مارس 1954 قرر النأي بنفسه، واتفق مع المجلس على السفر إلى جنيف، وهناك تقابل مع محمود أبوالفتح، الذي كثر تردده على سويسرا بعد صدور أحكام الثورة، لكن لقاءاتهما لم تدم طويلًا؛ إذ قرر الضابط المُبعد إنهاء تلك العلاقة.

في مذكراته المعنونة «والآن أتكلم»، يقول خالد محيي الدين: «حاول محمود أبوالفتح نصب شرك لي کي أتعاون معه (..) حدثني بحماس عن ضرورة فعل شيء لإنقاذ مصر من براثن حكم جمال عبدالناصر، وتحدث عن دوري، وحاول إثارتي، وكيف أنني مبعد، وكيف أن عليّ واجب إزاء الوطن، وأخيرًا وصل إلى غايته.. ستكون هناك محطة إذاعة موجهة إلى مصر».

«حاول تجنيدي ضد الثورة».. خالد محيي الدين يروي شهادته في «أبوالفتح»

في تلك الأثناء كان محمود أبوالفتح يجهّز من لبنان لإنشاء إذاعة مصر الحرة بالتعاون مع صحفيين شوام، أبرزهم زهير عسيران، مراسل «المصري» في بيروت الذي سيصبح نقيبًا للصحفيين اللبنانيين. وفي أثناء عدوان 1956، أذاعت «مصر الحرة» ما يفيد بـ«مصرع عبدالناصر في قصف بريطاني»، بينما اعتاد «ناصر» التشهير بـ«دور تلك الإذاعة في خدمة الاستعمار».

طلب محمود أبوالفتح من خالد محيي الدين التحدث في تلك الإذاعة بشكل مستمر، وأن يكون شريكًا فيها، ويقول الضابط المُبعد في مذكراته: «أخطأ محمود أبوالفتح الخطأ القاتل عندما حاول إغرائي بالمال، فقال: نحن نعلم أنك تتقاضی معاشًا وبدل سفر، وطبعًا سوف يقطعون ذلك كله، ولهذا نحن على استعداد أن نسلمك مقدمًا ما يساوي ما ستتقاضاه لمدة 10 سنوات».

«لا تلوم من تدهور به الحال، وحاول قدر الإمكان الحصول على حقه في الحياة وفي الوجود وفي الحرية»، هكذا يحاول عبدالرحمن فهمي، ابن شقيقة محمود أبوالفتح، تفسير طريقة تفكير خاله، ويضيف: «حينما يختلف اثنان ويكون بينهما ثالث فكلاهما يحاول استمالة هذا الطرف الثالث إلى صفه، هذا طبيعي، والثلاثة كانوا في حقل واحد ومهمة واحدة، وبينهم اتصال قوي».

يضيف «فهمي» تعليقًا على شهادة خالد محيي الدين: «طبيعي جدًا أن أستميل من هو ضد عبدالناصر، وأن أقوي جبهتي ضده، لكن هل كان ذلك في صالح البلد؟ وهل كان بقاء ناصر في صالح البلد؟ ناصر ارتكب أخطاء كبيرة جدًا سياسيًا واقتصاديًا. وخالد لم يكن يريد أن يأخذ موقفًا ضد أي أحد. هذه أعتبرها شهامة منه، وردًا لجميل عبدالناصر عليه، تلك هي أخلاقيات الكبار».

يعطي «فهمي» جملة أسباب لنظرة «الشهامة» تلك، فيقول: «خالد قال لعبدالناصر وقت الأزمة إنه يريد السفر، فوافق. رفضْ خالد لعرض محمود أبوالفتح هو رد جميل؛ إذ كان بإمكان عبدالناصر أن يرفض طلب خالد ويعتقله. لكن هذه هي أخلاقنا. عبدالناصر صعب عليه أوي أن يتعرض خالد لأي محاولة تنكيل، وهو المعارض الأكبر للملك، وأكبر يساري في مصر».

«لم ينس محمود أبوالفتح أن يقدم شروطه بعد أن قدم الإغراء»، يواصل خالد محيي الدين تقديم شهادته، ويضيف: «فقال وكأنه يتحدث بشكل عشوائي وبلا تخطيط مسبق: (وطبعًا، بلاش حكاية الاشتراكية واليسار والكلام ده). كانت عملية الرفض تتراكم في داخلي منذ اللحظة الأولى، وكلما استمر في حديثه ازددت رفضًا، فأنا لم أكن أبدًا ضد ثورة أسهمت في صناعتها».

خصص خالد محيي الدين فصلًا من مذكراته لفترة إبعاده في سويسرا، وجاءت شهادته تلك تحت عنوان «في المنفى.. حاول محمود أبوالفتح تجنيدي ضد الثورة»، ويختتم: «لم أكن من الصنف الذي يمكن إغراؤه، فلو كان ممكنًا إغرائي لأغراني الموقع الهام في قمة السلطة، ولمنعني من الإصرار على التمسك بما أؤمن به. رفضت.. وانتهت علاقتي بمحمود أبوالفتح».

«صوت مصر الحرة»

انبثقت إذاعة «مصر الحرة» من كيان عرف باسم «لجنة أحرار العرب»، أسسه محمود أبوالفتح في بيروت، ودأب «عبدالناصر» ومحمد حسنين هيكل من بعده على تخوين ذلك الكيان واتهامه بـ«العمالة للاستخبارات الغربية»، بينما دافع عنه أحمد أبوالفتح في كتابه «جمال عبدالناصر»، إذ يقول: «هذه اللجنة رفعت راية الكفاح في سبيل تخليص مصر من الديكتاتورية».

يقول الصحفي اللبناني زهير عسيران، مراسل صحيفة «المصري» في بيروت آنذاك، وصديق أسرة «أبوالفتح»: «على أثر الخلاف بين نظام الضباط الأحرار وآل أبوالفتح الذين شردوا خارج مصر، طرأت فكرة إنشاء إذاعة تعمل ضد النظام الجديد في مصر. فاجتمع في بيروت محمود أبوالفتح مع بعض المنتسبين إلى جماعة الإخوان المسلمين».

يضيف في مذكراته «زهير عسيران يتذكر.. المؤامرات والانقلابات في دنيا العرب»: «تقرر في ذلك الاجتماع إنشاء إذاعة في لبنان تعمل ضد النظام في مصر. لكن السؤال كان: كيف؟ وأين يكون مقر هذه الإذاعة؟ فرددت على السؤال فورًا: توضع في منزلي. قلت ذلك وأنا لا أعرف كيف يتم ذلك. فاتصلت بالسيد لويس رزق المهندس بإذاعة لبنان للاستعانة بخبرته».

جمال عبدالناصر: «إذاعة صوت مصر الحرة بتهاتي.. وبتتكلم باسم الاستعمار»

يمضي قائلًا: «أطلعته على فكرة الإذاعة، وسألته عن إمكانية إقامتها في المنزل فنيًا، فقال: بالإمكان وضعها في غرفة خاصة شرط ألا يدخلها أحد. فباشر العمل مستعينًا ببعض الآلات الموجودة محليًا، وولدت الإذاعة باسم صوت مصر الحرة موجهة نحو القاهرة، ثم جعلها السيد رزق تصل إلى سوريا، بعد أن سافر أبوالفتح إلى سويسرا وعاد ببعض القطع اللازمة».

انطلقت «صوت مصر الحرة» بإذاعة خطاب لمصطفى السباعي، مؤسس جماعة الإخوان في سوريا، وتلاه كامل الشريف، وهو أحد أركان الجماعة، بهجوم شديد على نظام جمال عبدالناصر، كما يقول «عسيران»، مضيفًا: «تنبهت السلطات في القاهرة واتصلت بالسلطات اللبنانية لوقف تلك الإذاعة، فبدأت التحريات فورًا وحدد الرادار الحي والشارع الذي تعمل منه الإذاعة».

يختتم «عسيران»: «اتصل بي مدير الأمن العام الصديق الأمير فريد شهاب وأبلغني أن الشبهة تحوم حول بيتي، وقال لي: لا سبيل للإنكار، وأنا أنصحك بأن تخرجها من المنزل قبل مداهمته. وأمام خطورة مصادرة الإذاعة والنتائج أخذت بنصيحته، وعمدت فورًا إلى تفكيكها وإعطاء السيد رزق ما يحتاجه منها، ووضعت البقية في صناديق وأودعتها مطابع جريدتي {الهدف}».

وثيقة «الغليان» رقم «6»

في كتابه «سنوات الغليان» الصادر عام 1988، أرفق «هيكل» وثيقة لخطاب منسوب إلى محمود أبوالفتح، وممهور بتوقيعه، وقال إن «أبوالفتح أرسله باسم لجنة أحرار العرب (مصر الحرة) إلى رئيس الوزراء البريطاني، أنتوني إيدن، في 27 يناير 1956، ودعاه فيه إلى استعمال القوة المسلحة ضد مصر، وطلب أموال بطريقة مكشوفة لتمويل الدعاية ضد خطر عبدالناصر».

الوثيقة رقم «6».. محمود أبوالفتح «يعرض خدماته على حكومة بريطانيا»

بعد صدور أحكام الثورة بإدانة أخويه، ظل أحمد أبوالفتح مقيمًا في جنيف حتى عام 1974، عندما سمح له الرئيس الراحل محمد أنور السادات بالعودة إلى مصر. وعندما نشرت صحيفة «الأهرام» مقتطفات من سلسلة محمد حسنين هيكل «حرب الثلاثين سنة»، ومعها تلميحاته وتصريحاته بشأن دور الأسرة، أقام «أبوالفتح» دعاوى قضائية ضد الصحيفة و«هيكل».

اتهم أحمد أبوالفتح «هيكل» و«الأهرام» بـ«نشر وقائع غير دقيقة بشأن دور أخيه محمود في حلف بغداد، ودوره في العدوان الثلاثي 1956، والمحطات السرية وغيرها». وقدم «هيكل» للمحكمة صور لوثائق بريطانية تدين «أبوالفتح»، لكن المحكمة اشترطت أن تكون الوثائق ممهورة بختم دار المحفوظات البريطانية، وحقق «هيكل» الشرط، وتأكدت المحكمة من صحة الوثائق.

وثيقة الخطاب المنسوب لمحمود أبوالفتح، والممهور بتوقيعه، يحمل تحذيرًا للحكومة البريطانية من «الخطر الشيوعي» في مصر، وجاء فيه أن «الساعد الأيمن لعبدالناصر شيوعي متعصب، وهو اللواء عبدالحكيم عامر، قائد الجيش ووزير الدفاع، وعبدالناصر نفسه كان عضوًا في الحزب الشيوعي، بالإضافة إلى الصاغ خالد محيي الدين و5 آخرين من أعضاء مجلس قيادة الثورة».

الخطاب يدعو الحكومة البريطانية إلى «استعراض القوة بإرسال سفن حربية إنجليزية وأمريكية إلى الشرق الأوسط، مع التهديد باتخاذ تدابير عسكرية، والإعراب عن التأييد الصريح لجميع أصدقاء الغرب، لأن خطوة كهذه سوف تلقى تأييد الشعب المصري المغلوب على أمره، وسيكون من الميسور بنشر الوثائق والتفاصيل تبديد الأسطورة التي نسجت حول عبدالناصر ونظامه».

طلب الخطاب من حكومة بريطانيا مساعدة مالية لإنشاء «منظمة قادرة على بث الدعاية والدعاية المضادة، والأولوية في استيراد وإقامة محطة إذاعة قوية»، ودعاها إلى توفير «ملايين الجنيهات التي تنفقها سنويًا للاحتفاظ بنفوذ مهتز في الأردن، من أجل إنشاء جهاز فعال وكفء للدعاية والدفاع عن المصالح التي تضطر بريطانيا، بالابتزاز، إلى دفع الملايين للدفاع عنها».

في الذكرى الـ7 للثورة، ألقى الرئيس جمال عبدالناصر خطابًا للمصريين يوم 22 يوليو 1959، قال فيه: «حرب الدعاية والسموم، 9 محطات سرية وفرقة سيمفونية من محطات الاستعمار وإسرائيل وأعوان الاستعمار بتذيع كل يوم طول النهار وطول الليل (..) تسمع محطة صوت مصر الحرة تسمع سموم، اتهامات وتشكيك وسب، ولكن هل نفع هذا الكلام؟ منفعتش حرب الدعاية».

أضاف «ناصر» في خطابه: «9 محطات بتهاتي ما عملت أي شيء في هذا الشعب، ولم تحقق أي هدف من أهدافها، ولغاية النهارده محطة إذاعة صوت مصر الحرة مازالت بتهاتي، واللي بيسمعها واللي مبيسمعهاش عارف إن صوت مصر الحرة محطة بتتكلم باسم الاستعمار وبتذيع من باريس، وإنها بتعبر عن الحقد الذي يشعر به الاستعماريون بعد أن فشلوا وبعد أن انهزموا».

«محمود أبوالفتح كان غارقًا، وكان يريد التعلق بأي شيء»، يقول الكاتب الصحفي عبدالرحمن فهمي، مضيفًا أن خاله كان «شديد الذكاء، وكان يراهن على 3 أشياء: الأول أن يحدث انقلاب على عبدالناصر الذي لم يكن بعيدًا عن الانقلاب، والثاني أن يتوفى، والثالث أن يستخدم علاقاته الجيدة مع الزعماء والملوك العرب للوساطة بينه وبين عبدالناصر، فبعضهم كانوا مدينين له».

أمام محكمة الثورة

في 16 سبتمبر 1953، قرر مجلس القيادة تشكيل محكمة الثورة للنظر في «الأفعال التي تعتبر خيانة للوطن أو ضد سلامته في الداخل والخارج، والأفعال التي تعتبر موجهة ضد نظام الحكم الحاضر أو ضد الأسس التي قامت عليها الثورة»، وجاء في القرار: «يجوز للمحكمة أن تحكم بمصادرة أموال المتهم، كلها أو بعضها، إذا تبين لها أنها نتيجة كسب غير مشروع».

نص القرار في مادته الأولى على تشكيل هيئة المحكمة من قائد الجناح عبداللطيف البغدادي رئيسًا، والبكباشي أنور السادات عضوًا، وقائد الأسراب حسن إبراهيم عضوًا، والثلاثة كانوا أعضاء في مجلس القيادة، كما نص على إنشاء مكتب تحقيق وادعاء يلحق به نواب عسكريون وأعضاء نيابة عامة يعينهم مجلس القيادة، وأسندت رئاسته إلى البكباشي زكريا محيي الدين.

قرر مجلس القيادة تقديم الأخوين محمود وحسين أبوالفتح إلى محكمة الثورة 18 أبريل 1954، على أن تبدأ محاكمتهما في 29 من الشهر نفسه، وتولى الدفاع عنهما المحامي الكبير وحيد رأفت، وانتهت المحاكمة في 3 مايو، وتقرر النطق بالحكم صباح اليوم التالي، فيما صدر آخر عدد من جريدة المصري صباح يوم 4 مايو 1945 وهو يحمل مرافعة الدفاع عن حسين أبوالفتح.

جاء في قرار الإدعاء ضد «أبوالفتح»، كما يقول محمد حسنين هيكل في كتابه «لمصر لا لعبدالناصر»، أنه «أتى أفعالًا ضد سلامة الوطن، ومن شأنها إفساد أداة الحكم، ففي غضون سنة 1954 وما قبلها: قام بدعايات واتصالات ضد نظام الحكم القائم بقصد تقويض النشاط القومي للبلاد، وأغری موظفًا عموميًا بطرق غير مشروعة لإتمام صفقة تجارية لمصلحته الذاتية».

المؤرخ الدكتور أحمد زكريا الشلق يرى أن قرار تشكيل محكمة الثورة كان «ضربة أخيرة للأحزاب»، وينسب إلى المؤرخ أحمد حمروش قوله: «كانت موجهة أساسًا ضد حزب الوفد، وضد بقايا الأحزاب والتنظيمات السياسية الأخرى، وكان على رأس الوفديين آنذاك: فؤاد سراج الدين والسيدة زينب الوكيل، حرم مصطفى النحاس، والأخوان محمود وحسين أبوالفتح».

يقول «الشلق» في كتابه «ثورة يوليو والحياة الحزبية»: «هذه المحاكمات التي تولاها العسكريون أنفسهم، قضاة وخصومًا، قصد بها التمثيل بمن تبقى من رجال الأحزاب والقضاء على ما تبقى لهم من نفوذ وهيبة وممتلكات، وكان المتهمون يواجهون المحكمة بلا تحقيق، وكانت التهم متشابهة تقريبًا والأحكام مبالغًا فيها (..) ولم تكفل تلك المحاكمات ضمانات العدالة القانونية تمامًا».

«محاكمة انتقامية!»

بعد 23 عامًا من تلك المحاكمة، أصدر عبداللطيف البغدادي، رئيس محكمة الثورة، مذكراته عن دار «المكتب المصري الحديث» عام 1977، ويقول فيها إنه «حاول إثناء» مجلس القيادة عن محاكمة الأخوين محمود وحسين أبوالفتح أمام محكمة الثورة، بدعوى أن محاكمتهما جرت بدافع «الانتقام من مطالبهما المشروعة بتحقيق الديمقراطية بموجب قرارات مارس 1954».

قرارات 5 مارس 1954 نصت على: «انتخاب جمعية تأسيسية لمناقشة مشروع الدستور الجديد وإقراره، والقيام بمهام السلطة التشريعية لحين انتخاب البرلمان الجديد وفقًا لأحكام الدستور الذي ستقره الجمعية، وإلغاء الأحكام العرفية قبل انتخابات الجمعية التأسيسية بشهر، وإلغاء الرقابة على الصحافة والنشر اعتبارًا من 6 مارس فيما عدا الشؤون الخاصة بالدفاع الوطني».

وفي 25 مارس 1954، قرر مجلس القيادة: «السماح بقيام الأحزاب، عدم تأليف حزب للمجلس، لا حرمان من الحقوق السياسية، تنتخب الجمعية التأسيسية انتخابًا حرًا مباشرًا ودون أن يعين بها أي فرد وتكون لها السيادة وسلطة البرلمان، حل مجلس القيادة يوم 24 يوليو 1954 باعتبار أن الثورة قد انتهت، تنتخب الجمعية التأسيسية رئيسًا للجمهورية بمجرد انعقادها».

وعلى خلفية المظاهرات المطالبة بـ«سقوط الديمقراطية والأحزاب السياسية»، قرر مجلس قيادة الثورة في 29 مارس 1954: «حمل المسؤولية كاملة على عاتقه مرة أخرى، واتخاذ القرارات الآتية: إرجاء تنفيذ القرارات الصادرة يوم 5 مارس و25 مارس 1954 حتى نهاية فترة الانتقال، وتشكيل مجلس وطني استشاري يراعى فيه تمثيل الطوائف والهيئات والمناطق المختلفة».

يقول «البغدادي» في مذكراته: «طلبت إعفائي من رئاسة محكمة الثورة في حالة عرض أي قضية عليها لها ارتباط بحوادث تلك الأزمة (أزمة إلغاء قرارات 5 و25 مارس 1954)، لأنني قدرت أن مهمة المحكمة في هذه الحالة ستكون ما هي إلا عملية انتقامية من بعض الأشخاص الذين كانوا قد عبروا عن آرائهم بعد إعلان حرية الصحافة وبعد إعلان قرارات مارس».

يضيف «البغدادي» في مذكراته: «لم يكن هناك مبرر لمحاكمة من عبروا عن آرائهم بموجب قرارات 5 و25 مارس القاضية بحرية الصحافة وعودة الأحزاب أمام محكمة الثورة، واقترحت تشكيل محكمة خاصة للنظر في القضايا المتعلقة بإعاقة أهداف الثورة أو تهديد النظام القائم (..) لم أشأ أن أكون أداة لتنفيذ هذا الانتقام، لذا قررت ألا أكون رئيسًا لهذه المحكمة».

[quote:4]

يقول «البغدادي» إنه دافع عن «أبوالفتح» قبل المحاكمة: «كيف يحاكم وقد كان بالخارج في هذه الفترة»، مشيرًا إلى ما اعتبره «تغير موقف مجلس قيادة الثورة من جريدة المصري وصاحبها»، قائلًا: «أليس موقف الجريدة من الثورة في الفترة الأخيرة {هو السبب}، أليس هذا انتقامًا، وهم كانوا يتكلمون عن الحريات والحياة النيابية، وهو كلام لا يمكن أن يؤاخذوا عليه».

حديث «البغدادي» عن «تغير موقف مجلس الثورة من جريدة المصري وصاحبها» يقصد به حكم محمكة الثورة الصادر في 7 مارس 1954 بإلزام الجريدة بتسديد ضرائب متأخرة قدرها 21.233 جنيهًا. ويقول أحمد أبوالفتح في كتابه «جمال عبدالناصر» إن الضباط «اتهموا شقيقه محمود بأنه لم يسدد كل ما كان يجب سداده من الضرائب على ورق باعه وربح فيه».

يقول «البغدادي» عن أحد اجتماعات مجلس القيادة بعد حكم إلزام «المصري» بسداد «الضرائب المتأخرة»: «كان جو الاجتماع مكهربًا. وبدا أن عبدالناصر كان قد وعد أحمد أبوالفتح بشيء خاص في هذا الموضوع. وكان قد سبق وتكلم معي مرتين سائلًا عن قرار اللجنة وملمحًا بأنهم يتعاونون معنا. ولكنني كقاض كنت أحكم بوحي من ضميري ولا أعمل اعتبارًا للأشخاص».

يضيف: «عندما طلبت من مجلس القيادة التصديق على الحكم سألني عبدالناصر: لماذا لم نتكلم معًا في موضوع جريدة المصري قبل صدور الحكم؟ فأجبته بأنه لم يسبق للمحكمة أن عرضت قضية أو حكمًا في قضية على المجلس قبل النطق به لأنه سر بين أعضائها. فقال: هل أنتم مستعدون للدخول في معركة مع جريدة المصري خاصة بعد إعلان حرية الصحافة؟».

يواصل رئيس محكمة الثورة شهادته: «قلت له: ومنذ متى كانت جريدة المصري مؤمنة بكم؟ أليس أصحابها هم الذين تكلم عنهم صلاح (سالم) في المؤتمر الشعبي يوم 15 سبتمبر 1953 وأشار إلى ملايين الجنيهات التي كانوا قد كسبوها من تجارتهم في الورق في السوق السوداء؟ وأليس هو أحمد أبوالفتح الذي كتب مقالًا يهاجمكم فيه، وخاصة صلاح (سالم)».

يمضي قائلًا: «شعر جمال أنني على استعداد للدخول معه في معركة. وتكلم صلاح (سالم) موجهًا الكلام لي متسائلًا: ألا يمكنك عمل شيء الآن؟ فأجبته بأننا نحكم كقضاة وعليكم أنتم أن تجاملوا إن شئتم. ثم تكلم عبدالناصر وطلب من كمال الدين حسين بصفته سكرتيرًا للمجلس أن يرسل خطابًا لوزارة المالية لتقسيط المبلغ على أصحاب المصري على 5 أو 10 سنوات».

«أنا لست بآلة»

يقول «البغدادي»: «اعترضت على اقتراح تقديم محمود أبوالفتح لمحكمة الثورة، مبينًا أنه إذا كان لا بد من محاكمته فليبحث عن شخص آخر غيري، على أن أعتكف خلال فترة محاكمته بحجة أنني مريض، وذاكرًا لهم نفس الأسباب التي تمنعني من رئاسة هذه المحكمة، والتي سبق أن ذكرتها في اجتماعنا يوم 30 مارس، وكنت أتكلم بعصبية، والجو كان مكهربًا».

«إنني لست بآلة تستخدم وقتما وكيفما يشاء المجلس»، يقول «البغدادي» عن موقفه من محاكمة «أبوالفتح»، مضيفًا: «عبدالناصر قال لي: لقد سبق وتكلمت معك مرتين بخصوص قضية جريدة المصري، وكنت منتظرًا منك أن تتكلم معي قبل الحكم {الأول} فيها، ولكنك تصرفت بهذه الطريقة نتيجة للحساسية. أنت لست بقاضٍ، إنما تحكم باسم المجلس في قضايا سياسية».

يقول «البغدادي»: «قال لي عبدالناصر: لقد اتفقنا في المجلس على أن تعرض علينا كل قضية قبل صدور الحكم فيها، والمجلس هو الذي يقرر الحكم، ولكنك اتخذت صفة القاضي ولم تعرضها علينا، ولم نتكلم لأننا نعلم بحساسيتك، فرددت: إننا لم نتفق من قبل على عرض كل قضية على المجلس قبل الحكم فيها (..) ولي ضمير ولا بد أن أحكم كقاضٍ، فقال: هذه قضايا سياسية».

يضيف: «قال عبدالناصر إن الثورة ليست لها قاعدة شعبية تعتمد عليها، وليس هناك من يؤيدها لا من الشعب ولا من الجيش، وإن الذين قاموا بها 90 ضابطًا فقط وهم في تناقص حتى أصبح عددهم الآن 50 ضابطًا. وعلقت على كلامه بقولي: معنى هذا أننا نفرض أنفسنا على هذا البلد. فرد عليّ بالإيجاب، فقلت: أعتقد في هذه الحالة يجب علينا أن نروح إذا كان هذا هو الوضع».

الكاتب الصحفي عبدالرحمن فهمي، ابن شقيقة محمود أبوالفتح، يقول عن شهادة «البغدادي»: «عندما حاد الضباط عن خط السير المرسوم للحركة كان هناك غضب مكتوم داخل عدد منهم، مثل عبداللطيف البغدادي وخالد محيي الدين. أغلب الضباط كتموا غضبهم وواصلوا السير في خط جمال عبدالناصر لإقامة الديكتاتورية، وإن كان لا يقصد الديكتاتورية في ذاتها».

يضيف «فهمي»: «كاد يحدث انقسام داخل المجلس بسبب محاكمة أبوالفتح، وكان هناك تيار يرفض المحاكمة، وراح بعض الضباط يذكّرون بدور أحمد أبوالفتح في الثورة؛ فهو الذي أبلغهم باتجاه الملك فاروق لتعيين اللواء حسين سري عامر، العدو اللدود لحركة الضباط، وزيرًا للحربية، ما عجّل بموعد قيام الثورة، كما كانت المصري أول جريدة تبارك الثورة منذ يومها الأول».

يمضي قائلًا: «التيار العاقل في مجلس قيادة الثورة قرر أن تكون محاكمة أبوالفتح صورية، بحيث يكون الحكم مع إيقاف التنفيذ على من بالداخل (حسين)، ويكون واجب النفاذ على من بالخارج (محمود)، فضلًا عن مصادرة جزء كبير من ماليته. وكان على رأس هذا التيار عبداللطيف البغدادي وخالد محيي الدين وصلاح سالم، رغم أن الأخير كان دائم الهجوم على أسرة أبوالفتح».

يرى «فهمي» أن الأحكام الصادرة بحق خاليه كانت «هايفة ومضحكة جدًا»، معقبًا: «البغدادي رفض كتابة الحكم بيده، ولم يكن هناك مفرًا من توقيعه على الحكم فوقّع مضطرًا، وصلاح سالم قال: آه هندينهم لكن بطبطبة، وعبدالناصر قام بموقف في منتهى الغرابة لإبعاد أحمد أبوالفتح قبل صدور الحكم؛ فقد ذهب إلى منزله ومنحه جواز سفر دبلوماسي لإبعاده فورًا إلى بيروت».

يشكك الدكتور عاصم الدسوقي، أستاذ التاريخ المعاصر بجامعة حلوان، في شهادة «البغدادي»، قائلًا: «السياسي الذي ينشر مذكراته تحت أي عنوان وهو حي لا يذكر كل الحقائق، بل هو يكذب في الغالب العام إلا ما ندر، السياسي الصادق مع نفسه يكتب يومياته أو ما يراه من انطباعات ويتركها جانبًا ولا ينشرها، هذا النموذج نادر في مصر، وهو ما سار عليه سعد زغلول».

يضيف «الدسوقي»: «الذين ينشرون مذكراتهم وهم أحياء يريدون تبرير تصرفاتهم، وإظهار نفسهم بمظهر البطولة، لا أحد في هذه المذكرات يقول إنه أخطأ، ولكنه يكتب عن أخطاء الآخرين، الذي يكتب مذكراته لا يحاكم التاريخ، بل يكتب وقائع وفقط، ولا يكتب بعد الحدث، ولا من موقع المراقب لما كان يجب أن يكون، إذا فعل ذلك فإن ما يكتبه يصبح تأليفًا ومجرد ذكريات».

يرى «الدسوقي» أن «عبداللطيف البغدادي نشر مذكراته نتيجة خلافه مع عبدالناصر، فعندما اختلفا بدأ عبداللطيف ينتقده»، لكن أستاذ التاريخ المعاصر يرفض سحب أقواله تلك على مذكرات خالد محيي الدين، إذ يقول: «مذكرات خالد محيي الدين تختلف عن هذا الكلام، لأنه سجل فيها اعترافات على نفسه، وعلى دوره في أزمة مارس 1954، فالرجل هنا يتحرى الصدق».

يضيف «الدسوقي»: «مذكرات خالد محيي الدين تعطينا فكرة عن عبدالناصر، وهي خصوصيته في الالتزام بشرف الدفعة العسكرية وتماسكها، فقد تعلم ألا يعادي وألا ينتقم من خصومه السياسيين من أبناء الدفعة، وأقصى ما فعله مع خالد محيي الدين ومحمد نجيب هو الإبعاد والإقامة الجبرية، وهكذا فعل مع البغدادي، ألم يكن قادرًا على محاكمة نجيب في ميدان التحرير؟».

المؤرخ العسكري الراحل اللواء جمال حماد، عضو حركة الضباط الأحرار، يصف الفترة التي أعقبت قرارات 5 مارس بأنها «فترة مشرقة في تاريخ الحياة الديمقراطية في مصر»، ويقول: «شهدت الصحافة فترة مزدهرة بعد رفع الرقابة عنها يوم 6 مارس، وبعد أن أعلن صلاح سالم، وزير الإرشاد القومي، أن الرقابة زالت بلا رجعة، وأن حرية الرأي مكفولة للجميع».

«بعض الصحف أفردت صفحاتها لقضايا الحريات وحقوق الشعب، وكانت في مقدمتها جريدة المصري»، يقول «حماد» في كتابه «أسرار ثورة 23 يوليو»، مضيفًا: «ومن ثم انبرى عدد من السياسيين والصحفيين في المطالبة بالديمقراطية وعودة الضباط إلى ثكناتهم. ودفع هؤلاء الكتاب جزاء ما كتبوه في هذه الآونة، وتعرضوا لأبشع ألوان البطش والتنكيل والتعذيب».

يشير «حماد» إلى محاكمة العقيد أحمد شوقي، وهو قائد الكتيبة 13 مشاة أثناء قيام ثورة 1952، أمام محكمة الثورة عقب أزمة مارس 1954، بتهمة «تحريض بعض ضباط القوات المسلحة لإحداث فتنة في البلاد، وتعريض سلامة الوطن للخطر»، وحكمت عليه المحكمة بالسجن 10 سنوات، معقبًا: «لكنه لم يمكث طويلًا بالسجن، فقد أفرج عنه صحيًا بعد فترة».

أبوالخير نجيب، رئيس تحرير جريدة «الجمهور المصري»، كان من أبرز الصحفيين المنكل بهم، بحسب «حماد»، فأدين بـ«الاتصال بجهات أجنبية تعمل ضد النظام الاجتماعي والسياسي القائم في البلاد، والاتصال بطوائف العمال والطلبة لتحريضهم على التمرد، وامتهان الصحافة دون الالتزام بدستورها وأهدافها القويمة»، وعوقب بالأشغال الشاقة 15 سنة.

يضيف «حمّاد»: «دفع العقيد يوسف صدّيق، أحد الضباط الأحرار، ثمنًا غاليًا بسبب تأييده للديمقراطية، فجرى اعتقاله أوائل أبريل 1954، وأودع سجن الأجانب لمدة شهر، ثم انتقل إلى السجن الحربي لمدة 13 شهرًا، وفي أوائل مايو 1954 اعتقلت زوجته، ولحق به في السجن الحربي عدد من أقاربه، وبعد الإفراج عنه وزوجته فرضت عليه الإقامة الجبرية في منزله».

«أنت دمك مهدر!»

بعد صدور حكم إلزام «المصري» بسداد الضرائب المتأخرة في 7 مارس 1954، دعا محمود أبوالفتح أخاه أحمد، رئيس تحرير الجريدة، للقائه في بيروت لشرح ماهية الحكم، كما يقول أحمد في كتابه «جمال عبدالناصر»، ويضيف: «يوم 14 مارس، أرسل أخي محمود يستعجل حضوري إلى بیروت، لكن عبدالناصر كان قد طلب أن أزوره منذ بضعة أيام».

يضيف أحمد أبوالفتح: «ادعيت المرض ورفضت الذهاب، لكنه علم عن طريق جواسيسه أنني لست مريضًا فغضب وقرر أن يعتقل المشرفين على تحرير الجريدة إذا لم أزره، وعلمت أنه سينفذ القرار صباح 15 مارس، وهو اليوم الذي كنت قد عقدت العزم على أن أسافر فيه إلى بيروت. خشيت أن أسافر وينفذ عبدالناصر تهدیده، فذهبت إلى منزله في كوبري القبة».

[quote:5]

التقى أحمد أبوالفتح وجمال عبدالناصر في التاسعة مساء 14 مارس 1954، ويقول «أبوالفتح» عن هذا اللقاء: «وجدت عنده البكباشی أحمد أنور، رئيس البوليس الحربي، واجتمعنا نحن الثلاثة حتى منتصف الثالثة صباح 15 مارس، وتناقشنا في الوضع السياسي، وطلب عبدالناصر أن أوقف حملة الدفاع عن الحريات والحياة الدستورية والديمقراطية، وأن أقف بالمصري في صفه».

يضيف «أبوالفتح»: «كان ردي أنني مستعد لذلك لو أطلق هو الحريات واحترمها وساعد على قيام الحياة الديمقراطية وألّف حزبًا، وأنني سأقف مؤيدًا لهذا الحزب بل وسأسعى إلى ضم أصدقائي إليه. لم نتفق، وأثناء هذه الساعات الست غادر عبدالناصر غرفة الاجتماع، فإذا بأحمد أنور يقول لي بصوت خافت: أرجوك يا أحمد توقف الحملة ضد حركة الجيش فأنت دمك مهدر».

«يا أحمد الأعمار بيد الله»، هكذا رد أحمد أبوالفتح على تحذير «أنور»، كما يقول، مضيفًا: «بعد منتصف الليل غادرنا عبدالناصر ليطلب عشاء، وعاد أحمد أنور يقول: أنت تعرف مدى إعزازي لك فأرجوك توقف الحملة فوالله أنت دمك مهدر، ولم يتسع الوقت للنقاش إذ عاد جمال. وفي الثانية والنصف صباحًا قررنا أن لا فائدة من مواصلة النقاش، فكل منا مصرّ على موقفه».

تابع: «قال عبدالناصر أثناء الحديث المحتدم: هل تريد مني أن أترك صفوف الجيش لأكون حزبًا، أم تريد أن أذهب ملحقًا عسكريًا في واشنطن. ووسط الإجهاد وحدة النقاش قلت: وماله لو تركت الجيش أو رحت ملحق عسكري. هذه الجملة ضايقته أشد الضيق، وظل يتحدث عنها مرددًا: أحمد أبوالفتح عاوزني أروح ملحق عسكري في واشنطن. والحقيقة أنه هو الذي قالها».

بعد ساعات من ذلك الاجتماع استقل أحمد أبوالفتح الطائرة المتجهة إلى بيروت للقاء أخيه محمود، عاقدًا العزم على العودة إلى القاهرة في اليوم التالي، كما يقول: «شرحت لأخي محمود أسباب حكم الغرامة وملابساته، وقلت إنه ولا شك بمثابة إنذار لنا لمعارضتنا للديكتاتورية وللحملات القوية التي كان يشنها المصري للدفاع عن حريات المصريين وتخليصهم من الجاسوسية».

عندما علم محمود أبوالفتح بتحذير رئيس البوليس الحربي لأخيه، قرر إبقائه في بيروت حتى ينجلي الموقف، فيما قال له أخوه: «إن ما نخوضه عن طريق جريدة المصري من حملات دفاعًا عن الحرية قد يعرضها لانتقام الضباط، وعندئذ سيكون الانتقام عنيفًا، فإذا كنت تريد الحفاظ على المصري فأرجو مرة أخرى أن تعيّن غيري ليرأس التحرير ويغير سياسة الجريدة إلى المهادنة».

يقول أحمد أبوالفتح: «غضب أخي محمود من العرض الذي سبق أن رفضه من قبل، وكرر نفس الكلام: إننا لم نكن أغنياء، وقد تسبب في ثروتنا إخلاصنا للقضايا الوطنية وإقبال المصريين على جريدة المصري، فهل تريد مني أن أخونهم الآن؟ لقد وجب علينا أن نحمل الأمانة، أمانة الدفاع عن الشعب المصري ودفع الظلم والبطش والتعذيب عنه، تاركين الأمور لتصريف الله».

«لا مهادنة!»

كانت تلك المرة الثانية التي يعرض فيها أحمد أبوالفتح على أخيه تخليه عن رئاسة التحرير، وانتهاج سياسة المهادنة مع الثورة، وكان العرض الأول في منتصف 1953 عندما دب خلاف بين أحمد أبوالفتح والثورة، ويروي الدكتور السيد أبوالنجا، الذي كان مديرًا عامًا لجريدة «المصري»، كواليس ذلك العرض عندما التقى هو ورئيس التحرير بصاحب الجريدة في باريس.

في مذكراته المعنونة «مذكرات عارية»، يقول «أبوالنجا»: «كانت الثورة ترى أنها لم تتمكن بعد من الإفصاح عن سياستها للأمة، فلا محل للتعجيل بالانتخابات وإلا عاد حزب الوفد سيرته الأولى، ورئيس التحرير يرى أن الثورة حاربت الدكتاتورية بطرد الملك فليس من حقها أن تحكم بغير برلمان، وكانت الصحف جميعًا، فيما عدا المصري، تؤيد الثورة في سياستها».

بعيدًا عن السياسة، كان «أبوالنجا» يختلف مع أحمد أبوالفتح في خطته «لأن من شأنها أن تعرض الجريدة للإقفال»، ويقول في مذكراته: «جاءني وجيه أباظة {أحد الضباط الأحرار} يقترح أن يحدد لي موعدًا مع جمال عبدالناصر ليكلفني برياسة التحریر بجانب الإدارة، فاعتذرت لأن في هذا استعداء من الخارج على خلاف داخلي يرجع الفصل فيه إلى صاحب الجريدة».

[quote:6]

كان محمود أبوالفتح آنذاك في باريس، فسافر رئيس التحرير والمدير العام لعرض خلافهما عليه، ويقول الأخير: «رأى صاحب المصري أن يعطي رئيس التحرير إجازة حتى ينجلي الجو، ولكن أخاه ثار لهذا الاقتراح وأرسل إليه خطابًا يقول فيه: أخي وأبي وأستاذي.. إن كان عليّ فضل بعد الله فهو لك، أو كانت لي كرامة بين الناس فلأنني أخوك. إني لأرجو أن تضم فضلًا جديدًا إلى أفضالك الكثيرة فتقبل استقالتي من رئاسة التحرير».

يقول «أبوالنجا»: «بكى محمود أبوالفتح حين جاءه هذا الخطاب، فاستدعاني من غرفتي بعد منتصف الليل، فدلفت إلى جناحه، وكان على وجهه علامات التأثر، وقدم الخطاب إليّ ولم يعلق عليه بشيء، فوقعت في حيرة، وقلت له: إني حضرت إلى هنا لأوقفك على حقيقة الموقف، ولكن لكل معركة قائدًا وأرى أن تترك القيادة لأحمد. فبدا الارتياح على وجهه. ثم سارت الأمور من سيئ إلى أسوأ، ومن أسوأ إلى محكمة الثورة».

هكذا، عرض أحمد أبوالفتح على أخيه الاستقالة وانتهاج سياسة المهادنة مرتين. ويقول الكاتب الصحفي عبدالرحمن فهمي: «لو وافق محمود أبوالفتح على المهادنة لكان من شأن هذا أن يسقط جريدة المصري في نظر قرائها، وكانت آنذاك الأكثر توزيعًا، لكنه رأى أنه بدل ما نضيع وإحنا وحشين قد نعود بانقلاب أو بوساطات أو بوفاة عبدالناصر، لكن شيء من هذا لم يحدث».

وسام الجمهورية لـ«أبوالفتح»

بعد 27 عامًا من إدانة «أبوالفتح» أمام محكمة الثورة، وبعد 23 عامًا من وفاة صاحب «المصري»، قرر الرئيس الراحل محمد أنور السادات، الذي كان عضو يمين في تشكيل محكمة الثورة، منح اسم محمود أبوالفتح وسام الجمهورية من الطبقة الأولى في 31 مارس 1981؛ «تقديرًا لما اتصف به المرحوم من حميد الصفات، وما قدمه للصحافة من جليل الخدمات».

يرى الكاتب الصحفي عبدالرحمن فهمي أن الرئيس السادات «رد اعتبار الأسرة بهذا التكريم»، ويقول: «السادات تعرض لضغوط كثيرة منذ وصوله إلى الحكم للسماح لآل أبوالفتح بالعودة إلى مصر، لكنه قال حينها إنهم أصحابه، وكانت تجمعه بهم علاقة قوية جدًا، لكنه لم يوافق على ذلك الطلب بدعوى أن الناصريين من حوله سيثورون على الأمر».

«لقد أسأنا استعمال الكثير من المبادئ، وكم من الجرائم ترتكب باسم الديمقراطية»، هكذا يقول محمد حسنين هيكل عن تكريم «أبوالفتح»، فيما يرى الدكتور عاصم الدسوقي أن «السادات حاول الانقضاض على تاريخ عبدالناصر، كل ما كان يرفضه ناصر وافق عليه السادات، وهذا التكريم هو محاولة لرد اعتبار آل أبوالفتح ضمن محاولات هدم كل ما فعله ناصر».

في يوبيلها الماسي عام 2016، كرمت نقابة الصحفيين اسم «أبوالفتح». ويقول النقييب الأسبق يحيى قلاش: «السادات أراد أن يخلق حالة مختلفة مع الغرب، وأن يعطي انطباعًا مختلفًا للجميع، فسمح بعودة الإخوان وغيرهم، وكرم اسم محمود أبوالفتح»، مضيفًا: «لا أعتبر هذه الأمور رد اعتبار بقدر ما أراها أسباب متعلقة بالتحول عن مسار عبدالناصر».

لمطالعة الخبر على المصرى اليوم