مانشستر سيتي أول ناد إنجليزي يؤكد لموظفيه التزامه بدفع الرواتب كاملةروني ينتقد مطالبة وزير الصحة الإنجليزي بتخفيض رواتب اللاعبين«البترول»: إنشاء أول مصنع في الشرق الأوسط لإنتاج المطاط الصناعيتشميع ثلاث محلات تجارية بالزقازيق خالفوا مواعيد العمل.. صورسكرتير عام محافظة قنا يتفقد انتظام حركة تقديم الخدمات وصرف المعاشاتمبادرة لتوزيع 500 شنطة مواد غذائية بقرى إسنا لدعم الأكثر احتياجاً.. صورمحافظ شمال سيناء يعتذر للأيتام لغياب الاحتفالات بيوم اليتيم"مياه قنا" قطع المياه بعدة مناطق بمركز الوقف لإصلاح هبوط أرضى.. صورتطهير وتعقيم مدينة العلمين الجديدة للوقاية من كورونا.. صورإغلاق وتشميع 5 محلات تجارية ببنى سويف خالفت قرارات الحظرالبركة بالشباب.. أبناء القليوبية يساعدون كبار السن في صرف المعاشاتنائب محافظ القليوبية تتابع الخطة الاستثمارية للشباب والرياضة بمراكز الشبابصور.. شباب الأقصر يستكملون حملات التطهير والتعقيم لمراكز الشباب لمكافحة كورونا500 ألف وحدة طبية.. بيراميدز يساهم في مكافحة فيروس كورونابسبب اقتراح التخفيض.. روني يهاجم الحكومة البريطانية"لجان إلكترونية أشعلتها".. ميدو يعلق على رحيل أحمد فتحي عن الأهليوزير البترول يعتمد نتائج أعمال "إيثيدكو للبتروكيماويات" لعام ٢٠١٩بورصة السعودية ترتفع ومؤشرها يكسب 3 نقاطعقب إصابة أحد افراده.. بنك القاهرة يواصل تطبيق خطته الاحترازية فى مواجهة كوروناكيف يحمى مرضى الربو أنفسهم من العاصفة الترابية فى ظل انتشار كورونا؟

عمرو شعراوي يحكي ثورة «قاو» بخيال الظل

-  

يطيب لعالم الفيزياء الكبير الدكتور عمرو شعراوى، الرئيس السابق للجامعة الأمريكية بالقاهرة، أن ينبش بطن التاريخ ليكتشف ذراته المطمورة، ويفجر وعينا المعاصر بكيفية تشكله. هكذا فعل في روايته الأولى «طوكر: حكاية مائة وألف قمر» التي ظفرت بجائزة الأدب من مجمع اللغة العربية منذ ثلاثة أعوام، وهو يعيد الكرة هذه المرة ليجسد لنا في رواية «ثورة قاو الكبرى» حركة زعيم دينى يسمى الشيخ أحمد الطيب في تحريض أهل القرى في صعيد مصر على دولة الخديو إسماعيل عام 1865م، أي منذ ما يربو على قرن ونصف، مفيدًا من معلومات «الخطط التوفيقية» لعلى مبارك ومصادر ودراسات أخرى، لكنه يلجأ في هذه المرحلة إلى تصوير الدور الذي قامت به إحدى الوسائل الفنية القديمة في تأجيج الوعى بحركة التمرد القروى الجامح.. فيوظف إحدى «بابات» خيال الظل لابن دانيال وهى المسماة «عجيب وغريب» في تشكيل البنية السردية للرواية الثورة، بل ويستعير كما سنرى أسماء شخوصها ليضعها عناوين لفصوله وهى تتراكم لتحكى مراحل الثورة وأسبابها ونتائجها الكارثية. كما يستخدم بعض أبياتها الشعرية ليحدد بها الإيقاع التاريخى والوجدانى لإحدى هبات الضمير المصرى ضد الظلم والاستبداد. غير أنه يؤثر أن يفتتح روايته بنفحة صوفية مدهشة من أبيات شاعر مصر الكبير عمر بن الفارض المتوفى عام 1234م والتى يقول فيها: «فطيف خيال الظل يهدى إليك فى/ كرى اللهو ما عنه الستائر شُقّت.. ترى صورة الأشياء تُجلى عليك من/ وراء حجاب اللبس في كل خلعة.. تجمعت الأضداد فيها لحكمة/ فأشكالها تبدو على كل هيئة»، وتتوالى الأبيات الطريفة لتصف شخوص خيال الظل وهى تنطق في صمتها وحركتها، وتهدى النور للمشاهدين في الظلمة، فيتأرجحون بين الضحك والبكاء والندب والطرب. والمثير للانتباه هو اكتشاف المؤلف العالم لهذه الأبيات التي تبرز حفاوة ابن الفارض بالفنون الشعبية وبخاصة خيال الظل الدى يعد النواة الحقيقية لفنون الفرجة والمسرح، وهو ما لم يلتفت إليه مؤرخو الأدب في مصر. لكن الحفر العميق في طبقات الوجدان الشعبى يقود المؤلف إلى امتزاج الوقائع بالأساطير وغلبة التفكير الغيبى على الناس، فالشيخ أحمد الطيب ورث النزعة الإصلاحية عن أبيه الذي زعم أنه «المهدى المنتظر»، لاحظ تزامن هذه الدعاوى مع الحركات المهدية في السودان القريب من الصعيد. ويتولى الابن قيادة حركة اجتماعية عارمة تدعو إلى إعادة توزيع الأرض على الفلاحين قبل ثورة يوليو بما يقرب من قرن كامل، وليس من الغريب أن تكون مثل هذه الدعوات التي تخمرت في ضمير عبدالناصر وتبلورت في مشروعات النواب الاشتراكيين من طليعة الوفد قبل الثورة، هي التي ألهمته التعجيل بقوانين الإصلاح الزراعى في الشهور الأولى من حركته، بل نجد أن حلم العدالة والمساواة قد دعا الشيخ الطيب لمحاولة تطبيق مبادئ الإخاء بين أبناء القرى المهاجرين والمقيمين، على ما كان يحف هذه الدعوات في العصور السالفة من طابع دينى يعتمد على الكرامات والمعجزات التي تحيط بشخصيات الدعاة قبل النزعات اليسارية المحدثة. لكن الطريف أن الفقراء والمهمشين والكادحين هم الذين كانوا يستجيبون بيسر لهذه الدعوات، وقد ينضم إليهم العصاة الخارجون على القانون في الجبل، أما العمد والمشايخ والأثرياء فغالبا ما كانوا يتواطأون مع جند الحكومة في قمع حركات التمرد، فتظل المصالح الاقتصادية والمناصب الرسمية هي الحاكمة في تشكيل الطرفين، على أن قيادة رجل دين مصلح لهذه الثورة، بينما ينضم معظمهم للسلطة عادة، هي التي ألهبت نيرانها وجعلتها تنتصر في مراحلها الأولى عندما هزم الفلاحون جند السلطة. وقد انصب جهد المؤلف في رؤيته التاريخية لهذه المرحلة على تجسيد أوضاع الفلاحين في معاناتهم المتصاعدة، حيث «شحت الأقوات وقلت الأرزاق، ولم يعد هناك من البهائم ما يكفى لدرس القمح.. وكلنا نعلم كيف سخرت الحكومة الكثير من الفلاحين للعمل في تطهير «ترعة المحمودية» وفى حفر «ترعة السويس»- أي القناة- والخديو يعتقد أن نظمه الجديدة وطرق الزراعة الحديثة هي التي ستؤدى إلى تقدم البلاد ورفعة شأنها، لكنه لا يدرى أنه بأفعاله تلك يفسد علينا معيشتنا ويبتلينا بهموم الدنيا والآخرة»، ولأن هذه الكلمات تأتى على لسان أحمد مشهور أحد أنصار الشيخ الطيب فإنه يجسد فيها مشكلة التحديث القهرى الذي يتم بإرادة سلطوية عليا تجور على حقوق الطبقات الضعيفة وهى تحسب أنها تحسن صنعا، بينما هي منحازة في الواقع لمصالح من تمثلهم من حكام وأتباعهم، ولا يمكن لآليات التقدم المتوازن أن تعتمد على المشروعات الجائرة دون أن تراعى مصالح الطبقة المطحونة وتضمن لها حرية التعبير عن آمالها بنسق ديمقراطى رشيد. وإذا كانت هذه الملاحظات تأتى على لسان المتحاورين لتصنع حركة الأحداث وتكشف عن بواعثها في الفصول التي تحمل أسماء الفاعلين الرئيسيين، وقد اتبع المؤلف طريقة نجيب محفوظ في روايته «حديث الصباح والمساء» في ترتيب الفصول بالأسماء، لكن محفوظ رتبها هجائيا، مما جعل متابعة تطور الأحداث عسيرة للتذبذب الزمنى، بينما اعتمد الدكتور شعراوى تقديم الشخصيات كما وردت في «بابة» غريب وعجيب، فالفصل الأول يحمل عنوان «حماد المشاعلى» وهو من أكبرعتاة المجرمين الخارجين على القانون في المنطقة، حيث نشهده وهو يلقى في حجر العجوز «بدرية» ذراع ابنها الفارس الضحية، وتصبح عقدة الرواية الخاصة، التي تحكم تطورها- هي سعى حفيدها جساس الحفنى كى يأخذ بثأر أبيه من هذا الطاغية الذي ينضم للثوار معاداة للحكومة وليس اقتناعا بها، أما الفصل الثانى فيقدم شخصيات البابة وهما يتلاعبان بالشاشة البيضاء وخيال الظل، حيث يستمع الناس فيما بعد إلى «القصص المتضاربة عما حدث للقرى المنكوبة التي تعرضت لحملة تأديب شرسة قادها محمد فاضل باشا وإسماعيل باشا أبوجبل»، ويشرح الراوى طريقته في الحكى بخيال الظل قائلًا: «فتح عجيب الزمان فم الجوال، وأخرج أشكالًا تتكون من عصىّ خشبية مشدود بينها رقع من الجلد، رفع واحدة منها وفردها فظهر شكل رجل له أنف معقوف وشارب ملفوف وقد أمسكت ذراعة الخشبية بسيف مسلول، تأمل الغريب النمنمة البديعة التي تزين القطع الجلدية وهى تمثل ملابس الدمية وسماتها، حرك عجيب الزمان عصا خشبية فتحرك الذراع الممسك بالسيف»، ويتلاعب عجيب الزمان بعدد آخر من الشخيصة- كما يسميهم- ليمثل أدوار مقدام المواسى وحسون الموزون وهلال المنجم وزغير الكلبى وبنات العشاب، وهى الشخصيات التي تعطى العناوين الفصول التالية أسماءها، وللأحداث حركتها واحتدامها إلى جانب غيرهم، ولا ينسى المؤلف الطابع المحلى الصميم لخصوصية قرى الصعيد، فيقدم في عدة صفحات أوفى وأبلغ وصف دقيق لفن التحطيب، وكيفية خداع الخصم للتمكن منه، وأهم من ذلك طابع النبل الذي يميز أبطال اللعبة عندما يتساوون في المهارة والدربة، مما يكشف عن طبيعة العلاقات الحميمة بين الأفراد، حيث لا تعتمد فحسب على شبكة الولاءات القبلية والعائلية، ولا المصالح المادية، بل تقوم في كثير من الأحيان على الصداقات وتوافق النزعات الشخصية، أما عروض خيال الظل فهى «تقام في باحة واسعة، يتجمع فيها جمهور من الناس أمام قماشة بيضاء مشدودة بين نخلتين سامقتين، حيث يتم العرض بغناء أبى العجب وقرعه على الدربكة، وظهور خيالات العرائس البيضاء». ويتابع الراوى تطور المعركة بين أنصار الشيخ الطيب وعساكر الحكومة، إذا ينتصر الأولون في البداية على جنود حاكم «جرجا» وصنجق الأربعمائة بفضل المتاريس التي أقامها مقدام البناء والشحن المعنوى الهائل للشيخ الطيب، وأغرى هذا النصر المبدئى عددا من المراكبية لاعتراض السفن في النيل، مما أثار الذعر بين ركاب البواخر خاصة من الأجانب، فقلقت الشركات الأوروبية ووجد الخديو نفسه مضطرا لمواجهة التمرد وسحقه وقتل جميع المشاركين فيه من الرجال بعد خوزقتهم بطريقة وحشية، ونفى النساء والأطفال والعجائز إلى دمياط كما تقول الوثائق التاريخية، وبهذا انتهت ثورة قاو الكبرى والقرى المحيطة بها في المنيا وأسيوط وقنا، لكن أصداء الأحداث تظل تتجاوب كما يحكيها الراوى العليم بدقة ثم يعيد تجسيد أهم مشاهدها الدالة من خلال عجيب وغريب وعروض خيال الظل، وتحفل الرواية بعشرات المشاهد التي تصور طبيعة تفكير أهل الصعيد في هذه الفترة وما ينبث فيها من معتقدات وأساطير تمثل الخلفية الأنثروبولوجية للوقائع التاريخية، فمقدام مثلا- وهو نفسه جساس الذي يتمكن في النهاية من الثأر لأبيه، وقتل المشاعلى الجبار في نهاية الثورة- كان ينام في المنضرة فيفاجأ بمئات العقارب تحيط بفراشه، يستغيث بصديقه الذي يهرسها بشومته، ويخبره صاحب المنزل بأن العقارب تظهر فجأة وتغزو المكان ليوم واحد ثم تنصرف لأن البيت تحته كنز مرصود وأقيم فوق معبديحميه الملك العقرب. أما ختام الرواية فيأتى على لسان مغنى الربابة الذي يقول: «يا خسارة كان لى خى ولد أبويا شقيق/ يتغدى بخروف ويفطر دهان على الريق.. فاضل عدو جاب له ألف رجاله/ اتروع الجدع.. حطوه على الخوازيق.. تحرم علىّ النسا لحد ما خد تاره/ وأشرب من دم فاضل باشا بريق». وهكذا يظل الثأر التاريخى بين أهالى قاو الكبرى والقرى المحيطة بها ضد السلطة التي يستشرى استبدادها ويتزايد، ويصبح التطور التاريخى والتحول الديمقراطى هما السبيل الوحيد لمشاركة الشعب في صنع القرار وإقامة العدل بين جميع الطبقات وإخماد نزعة الثأر لإعلاء سلطة القانون، فيؤدى الفن بذلك رسالته في ترشيد المجتمع وتوجيه حركة التاريخ لسيادة الحق والعدل والجمال.

لمطالعة الخبر على المصرى اليوم