الاحتلال الإسرائيلي يقرر غلق الحرم الإبراهيمي حتى الخميس المقبلحميدتي: الحكومة السودانية جاهزة للتوصل إلى اتفاق سلام شامل ينهي الحرب"الوطن" غدا.. السيسي لمستثمري "مصر تستطيع": الدولة تحتاج سواعدكموزيرة الهجرة: المستثمرون المصريون بالخارج استجابوا لنداء "مصر تستطيع"شيخ الأزهر يستقبل قاضي قضاة فلسطين ويدعو لحماية الأقصى من الاعتداءلوقف العدوان التركي.. نائب الرئيس الأمريكي يتوجه إلى أنقر خلال 24 ساعة" البيانو " عامل مشترك بصور كول بورتر فى حياته اليومية27 فيلما عرض عالمى أول بالدورة 41 لمهرجان القاهرة السينمائىفان دام لمحمد رمضان: "بحبك يا أخى".. وتركى آل الشيخ :"دى كوسة".. فيديوشيرين تعرض إقامة حفل فى لبنان لصالح متضررى الحرائقكواليس تصوير أغنية جنات الجديدة بتوقيع هانى ربيع وبلال سرور (صور)مخرج مسلسل "شبر ميه" يتعرض لوعكة صحية.. ومساعده يستكمل التصوير"القومى للسينما" يشارك فى مهرجان "عيونهن" التونسى بفيلم "صحبة"محافظ أسوان يلتقى قبائل العبابدة والبشارية لإعادة تقييم أسعار أرضى الأحكارمحافظ الفيوم يتفقد مستشفى المدينة المنورة بأرض مصطفى حسنهيئة ميناء دمياط تستعرض إجراءات تيسير الإفراج الجمركى على البضائعمحافظ شمال سيناء يشدد على تحصيل مستحقات الدولة لدى الغيرتعليم بنى سويف: بدء استلام ملفات العاملين الراغبين فى التسوية بالمؤهل الأعلىمحافظ البحيرة يوجه بسرعة تقنين الأراضى المملوكة للدولة وتفعيل تسهيلات السدادغداً .. قطع مياه الشرب عن عدد من قرى دسوق بكفر الشيخ

بالتناظُر والتنافُر

-  

رحم الله عالمنا الدكتور أحمد زويل، الذي ما إن أتذكره حتى أحس بافتقاد موحش لعقل مصرى استثنائى العبقرية، ونفْس لا يمكن الحكم عليها بعدالة إلا بوضع هذا الاستثناء في ميزانها، وهذا يجعلنى أستدعى قول الشاعر والأديب الروسى ليرمنتوف «طوبى للصغار الذين ماتوا، لأنهم لم يحتملوا هذه الكذبة الأرضية» ولا شك أن الدكتور زويل رحل عن دنيانا مبكرا، وهذا النوع من العباقرة الذين يرحلون مبكرا، بقليل من الإمعان والتراحم، نكتشف أن الكثير من اندفاعاتهم، كان وراءه حس غامض، بأنهم لن يمكثوا كثيرا في هذه الحياة، بينما هناك ما يودون إنجازه، فيدخلون في صدامات لا تُفهم في حينها، ويقينى الآن أن الدكتور زويل كان مخلصًا شديد الإخلاص لمصر في إنشاء مشروع منظومة علمية بحثية متقدمة، وما تعرَّفت عليه من هذه المنظومة ومكوناتها واستراتيجياتها والعلماء عظيمى القيمة وعظيمى التضحية، الذين اختارهم على عينه للنهوض بأدوارها نبيلة الطموح، يؤكد أنه كان جادا وصادقا في نقل ما اكتسبه هناك، لوطنه الأم هنا، بل كان يفضل وطنه الأم على وطن اغترابه.

لا أستطيع إلا أن أتنهد بالحزن والافتقاد والاستدراك الآن، وأنا أتذكر الدكتور زويل، والمودَّة الذكية والصافية التي كان يشملنى بها، على قلة ما التقينا وتهاتفنا. وفى أول لقاء به فوجئت أنه يتابع بدقة ما أكتبه، وبكلمة واحدة شخَّص جوهر تكوين وتوجُّه ما أكتب بأنه تنوير بـ «التناظر» analogy، فسررت كثيرا لهذا التشخيص النقدى الذي لا يدركه بهذا التحديد إلا عالِم كبير شديد الحساسية، جماليا وثقافيا، فأنا نفسى كنت فيما أكتبه، ولا أزال، أحس أكثر مما أُخطط، فأقول في نفسى: إن كتاب الله المنظور، المتمثل في كل حى وكل حياة، فينا ومن حولنا، يقدم لنا من التبصر والحكمة والتحذير والتنبؤ، ما يعرفنا بأنفسنا ويهدينا، وهذا الكتاب متاح لكل البشر، من كل الملل والنحل، وبكل اللغات، وبلا لغات، وإذا كان أهل العلم القدامى قدموا منه السطح ــ وهو مهم ومبهر ــ فإن العلم الحديث يأخذنا إلى أعماقه الخلابة.

صحيح أننى أكتب من زاوية علمية عن الأحياء والطبيعة، لكن عينى على قلبى، على نفسى كإنسان، وعلى كل إنسان، يريد أن يتعرف على جوهره، وفى هذا السياق كتبت أكثر من مرة عن عجائب وغرائب بيولوجيا وإيثولوجيا الأسود، أي عجائب وغرائب تكوينهم وسلوكهم. وكنت أتصور لكثرة ما قرأت وكتبت في ذلك، أن صفحتهم قد استوفت حقها عندى، لكننى سرعان ما أدركت، بعد الاطلاع على أبحاث علمية كشفت عن حقيقة واحدة مما يشكل سلوك الأسود، العجيب والمُستغرب، أن هناك جديدا يُمكن أن يُكتب، وقديما تُعاد كتابته، فيدرك الإنسان المزيد عن نفسه، سلباً وإيجابا، ليس فقط بالتناظر مع المتشابه بينه وبين الحيوان، بل أيضاً بالتنافر مع ما يشابه فيه الحيوان.

إن الأسود (الذكور) كائنات بولغ في تقديرها طويلا وكثيرا، حتى صارت رمزًا بشريًّا أعلى للترفُّع والشجاعة والنبالة، كما بولغ في تحقيرها حتى باتت نماذج دنيا للتوحُّش والبلطجة والخسة، لكن دراسة غرائب سلوكها بشروط بيئتها الطبيعية وبيولوجية تكوينها، تقول رأيًا آخر، فيها، وفينا.

منذ أربعة وعشرين عامًا كانت المرة الأولى التي ألتقى فيها ــ وجهًا لوجه ــ ملكًا من هؤلاء الملوك على الطبيعة، في «إيتوشا»، تلك المحمية الطبيعية المترامية في دولة ناميبيا البديعة، وكان ذلك بعد سعى جهيد على متن سيارة دفع رباعى عبر دروب البرارى التي تعادل سبعة أضعاف مساحة القاهرة، ولثلاثة نهارات كاملة. وما إن اقتربت سيارتنا من أجمة أشجار تهجع في ظلالها مجموعة من الأسود، أسرة كبيرة يهيمن عليها واحد من هؤلاء الملوك، حتى شعرت بما يشبه الصدمة: هل هذا ملك؟ ملك يستلقى في إقعاءٍ ساكنٍ بليد ولا يهش عن نفسه حتى الذباب. بل يبدو نائمًا ولا تندُّ عنه حركة إلا ليزيح صغيرًا من الأسرة جاء يلتمس أن يلاعبه، ثم يعود إلى نومه الذي عرفت أنه يستغرق نحو عشرين ساعةً في اليوم! فكيف اتخذ البشر من أمثاله، وعلى مر العصور، رمزًا ملكيًّا للمهابة والجرأة والشجاعة والنبالة، وغير ذلك مما صار مجازًا شائعًا، ورمزًا لإمبراطوريات وأمم وشعوب، وشعارًا تزهو به الرايات واليافطات والدروع، وأنواع الشاى الفاخر؟!

■ حيرة قديمة تتجدد

هذه الحيرة إزاء هذا الكائن لم تكن جديدة، ولا خاصة، بل كانت عامة وقديمة، ويمكن رصدها على مبعدة سبعمائة عام في كتاب «عجائب المخلوقات وغرائب الموجودات» للقزوينى، الذي بدا حائرًا أيضًا وهو يورد الشىء ونقيضه عن الأسد، فيقول مُستعظمًا إياه: «هو أشد السباع قوة وأكثرها جرأة وأعظمها هيبة وأهولها صورة؛ لأنه لا يهاب شيئًا من الحيوان ولا يوجد حيوان له شدة بطشه، زعموا أنه لا يأكل من صيد غيره البتة، وإذا صاد شيئًا أكل قلبه وترك الباقى لغيره. وزعموا أن مَن ذلَ له وتواضع ينجو منه». لكن هذه الفقرة التعظيمية للأسد سرعان ما تتبعها فقرة تحط من شأنه، إذ تقول: «هذا النوع من الحيوان شديد الشبه بالشياطين؛ لما فيه من الكِبر والغضب وضيق الخلق وكثرة الفساد وقلة الاستئناس»!

بنظرة قائمة على أسس بيئية، لا شك أن الأسود لا يزالون ملوك السافانا الإفريقية، وهو ما يؤكده «كريج باكر»- عالِم البيئة بجامعة مينيسوتا وخبير الأسود الرائد في العالم- إذ يقول: «الأسود تطورت لتهيمن على السافانا، وليس للتشارك فيها» فهم بهذا المعنى ملوك لتلك البرية، مُلكًا مستحقًّا بحقيقة أنهم على رأس السلسلة الغذائية في هذه البيئة، فهم مفترسون ولا مفترس لهم، وقد يبدو هذاــ من المنظور البشرى ــ سطوةً مذمومة بما تتضمنه من وحشية قاتلة، خاصة إذا أضفنا إلى هذا القتل ــ ابتغاء الحصول على الطعام ــ قتلًا آخر بالغ الشناعة في مظهره، وهو قتل الأشبال الرُضَّع من آباء سابقين؛ حتى يخلو طريق هذه الوحوش لمواقعة الأمهات المأخوذات غصبًا.

■ الفسيولوجيا تضىء الغرائب

فأى ملوك هؤلاء؟ وأى ممالك تلك؟ سؤال استنكارى ينطوى بداهةً على الامتعاض والرفض، «لكن مهلًا» ــ نسمع علم سلوك الحيوان القائم على البحث العلمى الميدانى والتجريبى يهتف طالبًا التريث، موضِّحًا أن سلوك الحيوان قائم على أسس بيولوجية تكمن مشروعيتها في تناغمها مع شروط عيش كل حيوان في بيئة نشأته، والتكيفات التي حدثت له عبر آلاف بل ملايين السنين.. فاتخاذ العنف وسيلةً من أسد ذكر للحصول على أنثى بعد قهر زوجها، هو اضطرار مبعثه أن الحصول على الأنثى ليس فقط للتناسل واستمرار النوع، بل لتيسير الحصول على الطعام الذي لا يُجيد الأسد تحصيله، فهو اختيار بين الحياة والموت. أما قتل الأشبال الرضع للأنثى من زوجها السابق على يد زوجها الجديد المنتصر، فهو محض ضرورة لتمرير جيناته عبر هذه الأنثى قبل فوات الأوان، في عالم قائم على الصراع، فالأنثى تظل تُرضع صغارها حتى 18 شهرًا بعد ولادتهم، ويستحيل أن تدخل في «دورة نزوية» Estrous cycle تجعلها مٌهيأَةً للجماع، ما دامت أضراعها تدر حليبًا، وما دامت هناك أفواه صغيرة ترضع، عندها يندفع الأسد الغالب وبكل عربدة التستوستيرون الهائج في دمه، إلى قتل صغارها تباعًا دون أن تجرؤ على منعه، بعدها يجف ضرعها، وتتهيأ تلقائيًّا لاستقبال الذكر الجديد، وهو استقبال يجعلها تتلوى بعد كل مرة من ألم ساحق، فعضو الذكر به نتوء يشبه شوكة معكوسة تخدش بطانة قناتها التناسلية فائقة الحساسية عند انسحابه، ومع ذلك يظل اللقاء يتكرر لما يقارب المئة مرة خلال يومى التناسل اللذين لا يتكرران إلا بعد شهور عِدَّة، مئة مرة من الوطء يحسبها كثير من البشر فحولة أسطورية من الأسد، وهى ليست كذلك مطلقًا (كما ستوضحه الفقرة التالية)، مئة مرة من الألم الساحق للأنثى يتركها كالمذبوحة، تتقلب على ظهرها ضاربةً بأرجلها الهواء لتُبرِّد نيران الألم، ومع ذلك تعود لاستقباله، راقدةً لفرط ثقله الذي يساوى ضعف وزنها، فهذا الألم وذلك العناء شرط لحدوث الإخصاب ونجاح حمل الأنثى، فمبيض اللبؤة لا يطلق بويضاته إلا بتحفيز شديد فيما يُسمَّى «التبويض المُستحَث» induced ovulation، وهو شائع لدى العائلة القطية التي تنتمى إليها الأسود، وإن كان يأخذ شكلًا أهون في حالات أُخرى، فالتبويض المُستحَث يحدث لدى أنثى الفهد بعد مطاردة عنيفة لها من الذكر، بسرعة 100 كيلومتر في الساعة، وما إن يلحق بها ويعلوها حتى يطلق مبيضها بويضاته، لتُخصَّب على الفور! لكن الأسد لا يمتلك القدرة على تحمل جهد هذه المطاردة.

■ ابحث عن الحُمَّى

عالَم مختلف لا يمكن تفسيره إلا بشروط تكوينه وغايات أهدافه، ومن ذلك غرابة أن ذكور «مملكة» الأسود يعتمدون على الإناث بنسبة تفوق 90% في الحصول على الطعام. فلبؤات الأسرة الأسدية هن اللاتى يشكلن فريقًا للصيد الجماعى يكاد يغيب عنه الذكر. وأقصى ما يقدمه الذكر هو قطع الطريق على الفريسة التي تطاردها الإناث عند آخر الشوط، فيقفز مطبقًا فكيه الجبارين على خطمها ولا يتركها إلا مختنقة. وهو يكاد لا يفعل ذلك إلا مع فريسة ضخمة من جاموس الكاب (الإفريقى) الذي تزن الواحدة منه ما يفوق الطن. ومما يدهش أن هذا الجاموس هو القاتل الأول للأسود، برفساته الساحقة وطعنات قرونه الشِّداد. وقد يُوحى هذا بأن الخوف هو الذي يُرجِّح تخلُّف الأسد عن مطاردة الفرائس مع حريمه، لكن الحقيقة أن هناك سببًا آخر أهم وأعم، يُفسِّر ــ مع القليل غيره ــ كثيرًا من سلوكيات الأسد المُستغرَبة، وقد مر القزوينى على هذا السبب دون أن يتوقف عنده في كتابه «غرائب الموجودات» عندما ذكر أن الأسد «قَلَّ ما تفارقه الحُمَّى ولذلك يقال للحُمَّى داء الأسد». «وهو ما أثبته العلم الحديث، ويتمثل في أن درجة حرارة جسم الأسد الطبيعية مرتفعة دائمًا، وبمعدلات تفوق غيره من القطيات الكُبرى كالفهود والنمور، كما تفوق درجة حرارة اللبؤات، فدرجة حرارة اللبؤة المعتادة 38.05 درجة مئوية، أما حرارة الأسد فهى 39.16 درجة مئوية، ثم إنه لا يتعرَّق، وبرغم أن هناك بحثًا علميًّا كبيرًا وحديثًا أثبت أن «اللبدة» حول رقبة الأسد ووجهه لا تشكِّل حِملًا حراريًّا، إلا أنها- على الأقل- تعوق تبريد جسمه بإشعاع الحرارة وتبريد الهواء عند انخفاض حرارة الجو. ثم إن الكتلة العضلية الكثيفة للأسد ومتوسطها 272 كيلوجرامًا، أي ضِعف متوسط الكتلة العضلية للأنثى، تُشكِّل عند تحريكها مولِّدا حراريًّا يفاقم حرارة جسم الأسد المرتفعة أصلًا، لهذا وحتى لا يصاب سريعًا بصدمة حرارية تتلف تركيب البروتينات في خلاياه الحساسة، خاصةً في الدماغ، يتحاشى الأسدــ غريزياــ بذل أي مجهود كبير في وقت طويل، ويُضيف إلى ذلك آليات آخرى لتبريد جسمه الساخن في بيئة إفريقيا الحارة.

■ قلب صغير في جسد يغلى

هذا العبء الحرارى الذي يعانيه الأسد، يجعله لا يصطاد إلا ليلًا حيث تهبط درجة الحرارة، وحيث يمتلك عيونًا لها خلايا في الشبكية تكثف ضوء النجوم والقمر، فيرى بقوة تعادل 6 أضعاف قوة الإبصار البشرى في الظلمة (ومع ذلك لا ينجح في محاولات الصيد إلا بنسبة 50%). وفى الموسم الذي تنخفض فيه درجة حرارة الجو في النهار عن حرارة جسمه، يستلقى على ظهره في ظلال الأشجار مُعرِّضا بطنه رقيق الجلد لما يهب من نسائم تمتص حرارة جسمه الزائدة. وعوضًا عن التعرق الذي لا يمتلك غددًا له إلا بين البراثن، يعمد إلى تخفيف حرارة جسمه بإطلاق الكثير من بخار الماء عبر اللهاث المستمر (كما تفعل الكلاب في الطقس الحار)، وقدَّر الباحثون أن الأسد يستهلك من الماء ضِعف ما تستهلكه الأنثى، ومن ثم يفضل البقاء على مقربة من مورد الماء، وهو يُكثِر من لعق فرائه حتى يتبخر ماء لعابه ويُبرِّده. ومع ذلك، تظل كل هذه المنظومة من وسائل التكييف قاصرة عن تشتيت عبء «الحُمى الدائمة» عن جسد الأسد، فيضيف تكتيكات أخرى تقوم كلها على قاعدة تجزئة بذل الجهد المكثف على فترات زمنية قصيرة، وهذا يفسر تكرار وطء أنثاه عند التزاوج لمئة مرة في يومين، لكن المرَّة لا تستغرق إلَّا ثوانيَ. وهو لا يشارك في الصيد إلا بمطاردة لا تتجاوز مسافة 200 متر كحد أقصى، وإن كان يمكنه الانطلاق بسرعته القصوى البالغة 60 كيلومترًا في الساعة، لكن لمسافة 100 متر فقط، وفى خط مستقيم، فثقل عضلات جسمه غير المرن، لا تسمح له بالمناورات التي تجيدها اللبؤات الأخف وزنًا والأكثر رشاقة، والأمتن قلوبًا! فحجم قلبه لا يشكل إلا 45.% من وزن جسمه بينما يشكل قلب الأنثى 57.% من وزنها، فقلبها أقوى وأكفأ، وأليَق بالمطاردات الطويلة للفرائس للحصول على طعام للعائلة، لكنها تظل تهاب زوجها، وتتنحى ليكون أول مَن يأكل مما اصطادته هي وأخواتها! فهُنَّ في حاجة ماسة إلى قوته المرهوبة في السافانا المسكونة بالوحوش والملغومة بالمنافسين، وزئيره يصل مداه إلى ثمانية كيلومترات، ليردع الضوارى عن التساحب وخطف الصغار، ويحذر الأسود الشريدة من الاقتراب، كما أن قوته الغاشمة تهيئه لمصارعة أي أسد دخيل يمكن أن يكرر مأساة الاقتران بالإناث عنوة، وقتل صغارهن وتكرار دورة الثكل والضنى، فكأنما صوتهن الداخلى يردد على نسق ما تردده بعض إناث البشر «ظل أسد ولا ظل شجرة» فالأنثى تتقبل الذكر، غريزيًّا، بمنطق «الاستثمار البيولوجى» إذ تتنازل عن شىء لتربح شيئًا تراه أهم، ومَن يعرف أمومة اللبؤة يُذهل لقوة هذه الغريزة التي تجعلهاــ في صبر أسطورى ــ تنتبذ ركنًا قصيًّا خفياً لتلد وترضع، صائمةً منفردة، ثم تكابد أشق العيش في كسب قوتها حتى يظل ضرعها يسخو بما تغذى به صغارها، إلى أن يشتد عودهم، فتعود بهم إلى عرين الأسرة، وكنف الأب والخالات.

■ مَن يُخسِر الميزان؟!

وهنا، تتبقى لمحة مما يثير الدهشة فيما سطَّره القزوينى منذ سبعمائة عام عن الأسود، إذ قال: «ولما كانت كثيرة الفساد رفع الله البركة عنها، فتراها تلد في كل سنة مرة واحدة أو مرتين، وفى كل بطن ستًّا أو سبعًا، ولا يبقى منها إلا القليل في أطراف الأرض» فملحوظة قلة عدد الأسود الذكور نتيجة كثرة هلاكها هي ملحوظة سديدة تشهد بأن ملحوظات علماء ذلك الزمان كانت صافية ونبيهة، وإن جانَب التفسير منطق العلم في ظل محدودية أدوات البحث والتقصى حينها، أما الآن، فالعِلم يخبرنا بصحة ما كتبه القزوينى عن قلة عيش نسل الأسود الذكور، فمن كل ثمانية مواليد لا يكمل العيش واليفاع غير أسد واحد، وهى نسبة مؤلمة تفسرها صعوبة عيش الذكور الذين يُطردون من أسرهم فور وصولهم إلى سن البلوغ (بين الثانية والثالثة من العمر)، دون تمرُّس بمهارات العيش في البرية، وهى نسبة تكاد تصب في معنى ذكاء المنظومة البيئية الفطرية في تنظيم نفسها بنفسها، فكثرة الأسود الذكور تعنى استهلاك الكثير من الفرائس، فالذكر الواحد يحتاج إلى ثمانية عشر رطلًا من اللحم ــ الذي لا يأكل سواه ــ يوميًّا، وغلبة أعدادهم تعنى حرمان أنواع أخرى من مقومات العيش في إطار التنوع البيئى الذي يضمن استدامة المنظومة بما فيها من وحوش. لكن هذا التنظيم البيئى الذاتى الحكيم اخترقه وحش آخر ذكى العقل وغبى التبصر، فكان أن بدأت مملكة الأسود انهيارها منذ 12 ألف سنة مع تطوير البشر لأدواتهم في الصيد، فاستولوا على الكثير من حصة الأسود وغير الأسود. وكان أن حدث تنافسٌ دامٍ وغير متكافئ بين الوحش الحيوانى والوحش البشرى الذي يفتك عن بُعد، بالحراب، ثم النبال، ثم الرصاص. فمنذ ألفى سنة، كان هناك أكثر من مليون أسد من سلالات مختلفة يجوبون بقاع أوروبا والشرق الأوسط والأدنى وشبه القارة الهندية، وإفريقيا بطبيعة الحال، واليوم لم يعد هناك إلا أقل من 32 ألف أسد في إفريقيا جنوب الصحراء، بل هناك مَن يهبط بهذا العدد إلى 15 ألفًا. أرقام تصرخ بنُذُر انقراض الأسود، فتراجع أعدادها فادح وصارخ، وهو خطر على التوازن البيئى، لأن غياب مكوِّن من مكونات الحياة الفطرية بحجم الأسود يهدد باضطراب كبير، سيرتد أول ما يرتد على مَن أخل بميزان الطبيعة، بذكائه الغبى وبصيرته العمياء، وتباهيه بقوة وغلبة الأسود التي لا يعرف حقائقها، ولا كوابحها!

■ وصية الإيثولوجيا الأخيرة

بإيجاز، هناك ما يصح تسميته «حتمية بيولوجية» تفسر الكثير من غرائب سلوك الكائنات الفطرية المحكومة بتكوينها العضوى وشروط بيئاتها الطبيعية وتسوِّغ هذا السلوك، ومنه سلوك ملوك السافانا الذين ليسوا ملوكًا للبشر، ولا مجازًا يصلح للاستعارة في عالم البشر، بل كائنات ضمن منظومة حية متكاملة لكل فرد فيها دور ومكان، وحدود دنيا وقصوى تضمن الاستدامة للجميع، وهى تتوازن بتبادل هذه الأدوار مهما بدت لنا قاسية أو حانية، فهى بالنسبة لهم طبيعية وضرورية. لكن أي حتمية يمكن أن تسوِّغ للبشر أن يسلكوا ما يناظر ما نحسبه وحشية الأسود وأنانيتها واستغلالها للغير بالقوة والقهر، فالبشر يفكرون ويختارون، يتعرَّقون ويتبرَّدون، وتحملهم طائرات وسفن وسيارات ودراجات، وخيول وحمير. أي تسويغ؟ لقد انهمرت عبر العقود الأخيرة من القرن العشرين دراسات سلوك الحيوانات البرية على قواعد علمية، بعد فتوحات «كونراد لورنتس» و«كارل فون فريش» الحائزين جائزة نوبل 1973 في هذا الشأن، إذ صُك مصطلح الإيثولوجيا Ethology الذي يعنى دراسة سلوك الكائنات الحية في بيئاتها الطبيعية، وعلى أسس بيولوجية مُتعددة. وقد نقلتنا الإيثولوجيا من الأحكام الحدية على هؤلاء الملوك، والمتأرجحة بين الانبهار والاحتقار، إلى التعاطف Sympathy، ثم إلى التفهم Empathy، وأعتقد أن هذه النقلة بالغة الأهمية في جعل أحكامنا «موضوعية» ليس فقط عند تأملنا لعجائب وغرائب عالم الحيوان، كالأسود ــ ملوك الحُمَّى، بل هي بالغة الأهمية أيضًا عند تأملنا لغرائب وعجائب عالم الإنسان ــ المحموم.. بشهوة التملك والمُلك.

لمطالعة الخبر على المصرى اليوم